شهد القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية تحولاً كبيراً منذ إطلاق رؤية 2030، حيث أصبح محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي والتنويع. وقد ارتفعت مساهمة القطاع الثقافي في الناتج المحلي السعودي لتصل إلى 1.49%، مع أهداف طموحة لزيادتها إلى 3% بحلول عام 2030، مما يعكس التزام المملكة بتطوير اقتصاد إبداعي مزدهر.
التحول الاستراتيجي للقطاع الثقافي في السعودية
بعد عقود من التهميش، انتقل القطاع الثقافي من الهامش إلى صميم السياسات العامة في السعودية. لم يقتصر هذا التحول على زيادة الأنشطة والفعاليات الثقافية، بل امتد ليشمل تطوير البنية التحتية للاقتصاد الإبداعي، وتوسيع فرص العمل في هذا المجال، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. وقد أدى ذلك إلى زيادة ملحوظة في مساهمة الثقافة في الناتج المحلي الإجمالي.
نمو ملحوظ في مساهمة القطاع
كشف تقرير صادر في سبتمبر الماضي أن القطاع الثقافي ساهم بنسبة تزيد عن 20% في نمو اقتصاد المملكة خلال عام 2023. وبلغت قيمة هذه المساهمة 35 مليار ريال سعودي (حوالي 9.33 مليار دولار أمريكي)، وهو ما يمثل 1.49% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وفقاً لوزارة الثقافة السعودية. يعزى هذا النمو إلى زيادة الإنتاج الثقافي في مجالات متنوعة مثل النشر، والمسرح، والسينما، والعروض الأدائية.
دعم المشاريع والمواهب الثقافية
أطلقت وزارة الثقافة مبادرات لدعم رواد الأعمال والمواهب الشابة في القطاع الثقافي. وقد قدم الصندوق الثقافي دعماً مالياً بقيمة 377 مليون ريال (حوالي 100.5 مليون دولار أمريكي) لأكثر من 120 مشروعاً ثقافياً في سبع مدن سعودية. بالإضافة إلى ذلك، استفاد أكثر من 1200 مبدع ورائد أعمال من برامج تطويرية تهدف إلى تعزيز مهاراتهم وقدراتهم في مجالات مثل الموسيقى، والتراث، والأزياء.
إدراج المهن الثقافية وتطوير سوق العمل
في خطوة تهدف إلى تمكين العاملين في القطاع الثقافي، أدرجت وزارة الثقافة 360 مهنة ثقافية في التصنيف المهني السعودي. يسمح هذا الإدراج للعاملين في هذه المهن بالحصول على دعم حكومي أكبر، كما تم رفع نسبة الدعم المالي للوظائف الثقافية إلى 50%. وتتوقع الوزارة أن ينمو عدد الوظائف في القطاع الثقافي إلى أكثر من 346 ألف وظيفة بحلول عام 2030، مما يعزز فرص العمل ويساهم في تحقيق أهداف رؤية 2030 في مجال التنويع الاقتصادي.
مشاريع ثقافية رائدة: الدرعية والعلا
تعتبر مشاريع الدرعية والعلا من أبرز المبادرات التي تجسد رؤية المملكة في تحويل الثقافة إلى محرك اقتصادي. ففي الدرعية، يتم استثمار أكثر من 50 مليار ريال سعودي (حوالي 13.3 مليار دولار أمريكي) في تطوير المنطقة لتصبح وجهة ثقافية وسياحية عالمية. يشمل ذلك إعادة إحياء المواقع التاريخية، وإنشاء المتاحف والمراكز الثقافية، واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى.
أما في العلا، فقد تم إطلاق خطة تطوير شاملة تهدف إلى تحويل المدينة إلى مركز ثقافي وسياحي دولي. تتضمن الخطة فعاليات ثقافية بارزة مثل مهرجان شتاء طنطورة، وإنشاء معالم فنية مثل مسرح مرايا. وتقدر مساهمة مشروع العلا بأكثر من ملياري دولار سنوياً في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، بالإضافة إلى توفير فرص عمل جديدة وتعزيز السياحة المستدامة.
فعاليات دولية تعزز مكانة السعودية
نجحت المملكة في تعزيز حضورها العالمي في مجال الثقافة من خلال استضافة العديد من الفعاليات الدولية المرموقة. من بين هذه الفعاليات مهرجان البحر الأحمر السينمائي، ونور الرياض (أكبر احتفال بالفنون الضوئية)، وبينالي الفنون الإسلامية الذي استقطب أكثر من 600 ألف زائر في عام 2023. كما فازت منطقة عسير بلقب “منطقة فنون الطهي العالمية”، وتم تسجيل “عروق بني معارض” كموقع تراث طبيعي سعودي ضمن قائمة اليونسكو.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن تستمر المملكة في الاستثمار في القطاع الثقافي كجزء من جهودها لتنويع الاقتصاد وتحقيق أهداف رؤية 2030. وستركز الجهود على تطوير البنية التحتية الثقافية، ودعم المواهب الشابة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز السياحة الثقافية. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق النمو المستدام في القطاع الثقافي وضمان استفادة جميع شرائح المجتمع من هذه التطورات. يجب مراقبة التقدم المحرز في تحقيق هدف 3% مساهمة القطاع الثقافي في الناتج المحلي السعودي بحلول عام 2030، بالإضافة إلى تأثير هذه الاستثمارات على سوق العمل والنمو الاقتصادي بشكل عام.
