يسوق الشاعر المغربي سعد سرحان شذرات لبيبة وإشارات لطيفة احتفاء باليوم الدولي للترجمة الذي يحل في الـ30 من شتنبر كل عام، تقديرا لما لهذه الرتجمة من أفضال في بناء صرح الأمم، حتى أنه بدونها لا تُفهم حكمة ولا تُتذوق أشعار، بل ولا تُقرأ نشرة دواء، ولا متاهات الكيمياء.
وفي ما يلي نص مقالة سرحان كما وصلت إلى جريدة هسبريس:
لقد تأخّر المنتظم الدولي كثيرًا في إقرار يوم عالمي للترجمة، إذ لم يفعل حتى سنة 2017، مع أنّ الترجمة انبرَتْ لدورها العظيم غداةَ تداعي برج بابل، وتَبلبُل الألسن. ولولا سعيُها النبيل لما حطّت لَبِنة على أخرى في هذا الصّرح المدهش المعروف باسم الحضارة.
الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرّت 30 من سبتمبر يومًا دوليًّا للترجمة، وهو اليوم الذي يصادف رحيل القديس جيروم، مترجم الكتاب المقدس. ولو أنّ القرار لم يكتب بقلم أعسر ينضح بحبر الجحود لاقترن هذا اليوم لا بسان جيروم ولا بسان جيرمان، وإنّما بحنين بن إسحاق، شيخ المترجمين ورئيس بيت الحكمة، ذلك البيت المنيف الذي له فضل على كل بيت.
حسْبُ الترجمة أنّ لها قرصًا في كلّ عرس، إذ لا يمكن الاحتفال الصّريح بيوم من أيام الله الطويلة دون أن يكون في ذلك احتفاءٌ ضمنيٌّ بها.
فلها، للترجمة فضلٌ على سائر الأنشطة والمعارف، كما على كافّة الموجودات والاختراعات…
فهي في الشعر والفلسفة والكيمياءْ…
كما في دليل آلة الغسيل ونشرة الدّواءْ…
ولولاها، لولا الترجمة
لكان الحوار بين الأممْ
يتراوح بين الخرس والصّممْ
أمّا المترجمون فلهم ديون طائلة
في مختلف الأعناقْ
ويكفيهم فخرًا
أنّ بينهم ترجمان الأشواقْ
فاحتفاءً بها في يومها العالمي، وتحيةً لهم جميعًا، أسوق هذه الشذرات.
ترجمة
ثمّة نصوصٌ من الجمال بحيث تستحقّ أن يُترجَم إليها القُرّاء.
خيانة
بأيّة أمانة تتحلّى ترجمة الصّمت؟
رسائل
الأفذاذ لا يسعَوْن إلى لغاتِ غيرهم، فهؤلاء يسعوْن عبرها إليهم، وطَيَّها وصلتنا، عبر العصور، رسائلهُم العظيمة.
الترجمة
الجسر تعبرُه النّصوص
إلى وجوهها
في مرايا الآخرين.
حرارة
التقتْ كلمتان غريبتان بعد فراق طويل، تعانقتا بحرارة، وتذكّرتا، على الفور آخر نصّ جلستا فيه جنبًا إلى جنب، وكذا الإعجابَ الذي كان ينفحهما إيّاه المارّة من القرّاء.
لقد جمعهما، طبعًا، أكثر من كتاب، لكن، في كلّ مرة كانت تفصلهما عدّة صفحات.
أمّا هذه المرّة فقد جاءتا متقابلتين تمامًا، حتى إنّهما تظلّان متعانقتين ما لم يُفتح الكتاب.
…
ولَكَمْ ضحكتا وهما تستعيدان الذكريات من ترجمة أحدهم لهما وقد كانتا متجاورتين:
فترجمة حجرٍ غير ترجمة حجرين، إذْ لا بد لهذين حيثما احتكّا من حرارة النار.
أسلوب
تختلفُ ترجمة النّص الواحد باختلاف مُترجميه، حتى ليَجوزَ القول: المترجمُ هو الأسلوب.
يُذكّرُ هذا التّحوير على الفور بالعبارة الفرنسية الأشهر: الإنسان هو الأسلوب. طبعًا، الإنسان بفِلْقتيْه، الحديدِ والخشبِ، البأسِ والخصوبةِ، القضيبِ والغصنِ… الرّجلِ والمرأة.
غير أنَّ المترجمَ العربيَّ انبرى لها بقلم من حديد، فجاءت هكذا: الرّجل هو الأسلوب.
وجبرًا للضّرر، ضررِ هذه التّرجمة الأبيسيّة، أضيف: والمرأة هي البلاغة.
بحيرة
في العدد نفسه نشرتْ، مرّةً، إحدى المجلات العربية، ثلاث ترجمات لبُحيرة لامارتين، مقدِّمةً بذلك لقارئها، على طبق من أدب، ثلاث بحيرات متباينة مساحةً وعمقًا وماءً.
تُشكِّل تلك التّرجمات، مجتمعةً، درسًا نموذجيًّا لمُترجم الشّعر كما لقارئه، اللّذيْن أعتذر لهما عن عدم وجود ذلك العدد من المجلّة بين يديّ الآن.
في واحدة من تلك التّرجمات ارتأت قريحة المترجم أن يزفّ بحيرة لامارتين إلى فحل من بحور الخليل: تدخل في عصمته فإذا هي عصماء، ويبني بها فإذا هي عموديّة المبنى، ويُخصب عذوبتها بملوحته فإذا هي مليحة المعنى… فنجح (هل فعل حقًّا؟) لا في ترجمة القصيدة فحسب، وإنّما في ترجمة الشّاعر أيضًا، إذ بدا لامارتين كواحد من أسلافنا العموديّين، أولئك الذين شاهدوا الرّمضاء وهي تُترجم السّرابَ إلى بحيرة.
غيوم
تتخلّق الغيوم من بخار الماء، فله عليها العودة إليه مهما شردت وضلّت، إذ هو رُشدها بعد نوبات الجنون.
غير أنّها، مخفورةً بالبُروق والرّعود، ومِن شتّى دروب الهواء تعود: مطرًا، بَرَدًا وثلوجًا، فتخبط خبط عشواء فوق المروج والغابات والجبال وسوى ذلك من ضُروب اليابسة، في خيانة ولا أوضح لأسِرَّةِ الماء.
وهي تُترجم عناصرَها، قد تفتح الطبيعة معجمَ السماء على فصيح الأرض، فتيْنع الخيانة.
فأس
الأرجح أنّ ذراع الفأس مقطوعةُ من الشّجرة التي تُخفي الغابة، تلك التي يَتَعَهَّدُها الحطّاب بالرّعاية لهذا العرض من بين أغراض أخرى.
ذراعُ الفأس ذريعةُ البأس لدخول الغابة. فليس الحديد وحده ما يفُلّ، بل الخشب أيضًا: ذراعَ فأس أو مقبضَ منشارٍ… فالخشب الخائن خدعة الحديد، وبِها يفُلُّ الخشبْ.
إنّما يترجم الحطّابُ مقاطعَ من الغابة وينشرها في طبعاتٍ لقراءٍ من لهبْ.
لا تدخل الفأس الغابة إلّا كما دخل الحصانُ المدينة الحصينة.
لكأنَّ كلّ غابة طروادة بجيوش من حطبْ.
صندل
كان يا ما كان في قديم الزمان ملكٌ لم يكتفِ بالعرش ظلًّا للسماء على الأرض، فسوّلت له نفسه الأمّارة بالجلالة أن يُنزّل على رعاياه كِتابًا يهديهم سواءَ المسير ويُجنّبهم سوءَ المصير.
وتعميمًا لنعمة الكتاب على غير المكان وسوى الزمن أمرت بِطانة الملك الباطنة كبيرَ التّراجمة بنقله إلى إحدى اللّغات الطّاغية.
ولعلّها فطنة كبيرة من التّرجمان الفذّ أن لم يذهب رأسًا مذهب البأس في نقل الكتاب، إذ لفّ الحديد في الحرير قبل إيداعه صندوقًا من الخشب الكريم.
وفي رواية أخرى أنَّ التّرجمان انبرى لترجمة الكتاب بقلمٍ من خشب الصّندل وحبرٍ من زيته.
ثمار
ما من شجرةٍ غير مثمرة.
وما من شجرة تُثمر بعد حين.
فما إن نغرس شجيْرة حتّى يسقط ظلّها على الأرض ثمرة ناضجة.
ثم تتوالى ثمارها: عصافيرَ، فراشاتٍ، زقزقاتٍ، أزهارًا، نحلًا، أعشاشًا وسناجب…
ولها أيضًا ثمار غير مرئية: أنفاسُها.
الشّجرة نفسها ثمرة عظيمة، ثمرة شعثاء…
إن قُطعت حيّةً آلت إلى ثمرٍ في البيت: بابًا أو دولابًا…
وإن قطعت ميتةً آلت إلى جمر ورماد، وهما ثمار ما بعد الاحتضار.
أمَّا أغرب ثمارها على الإطلاق فتلك التي من لحمٍ ودمٍ: الإنسان.
أليسَ الإنسان ثمرةً في شجرة العائلة؟
…
حقًّا، الشّجرة هي أصدق ترجمة للحياة.
خيانتان
يقينًا أنّ أشهر خيانة في التاريخ هي طعنة بروتوس، فالحتف منها كان في النّظرة لا في النّصل.
أمّا أشهر انتقام فليس سوى تلك الصرخة، صرخة القيصر العابرة للأزمنة: حتى أنت يا بروتوس؟
الطّعنة أنهت حياة القيصر.
أمّا الصرخة فخلّدت اسم بروتوس خائنًا.
…
ترتبط الخيانة عمومًا بالعلاقات النبيلة، مثلما تفعل بالوعود والمواثيق والعهود والوصايا… أمّا في الأدب فحقلها الخصيب هو الترجمة، حتى قبل أن تلاحظ اللغة الإيطالية في اسمِ المترجم نطقَ الخائن.
…
الخيانات في الأدب أكثر من أن تحصى. لكن، إذا كان لواحدة أن تُذكر فهي خيانة ماكس برود لوصية كافكا، فقد ترك هذا الأخير، وقد اشتدّ به المرض، قصاصةً لصديقه يرجوه فيها إحراق أعماله غير المنشورة. إلّا أن ماكس لم يفعل. لقد خان صديق عمره بترجمة الوصية إلى عكس ما جاء فيها، خانه بنشر أعماله التي يدين قرّاؤها في مختلف اللغات لتلك الخيانة التي تفوق نبلًا كلّ وفاء.
…
لقد مُنِيَ القيصر ببروتوس
فيما حظي كافكا ببرود
وشتّان بين خيانة تُرْدِي وخيانة تُحْيِي.
الخشب
لولا أنه بيت مأهولٌ لحسبته معبدًا لديانة غابَوِيَة، حيث يَتَرَتّلُ الخشب، في صمتٍ، من الباب إلى الدّولاب.
-قلت لصاحبه: لا بأسَ بالبيت في هذا المنأى.
-أيَّ بأسٍ تقصد:
-أقصد الحديدَ، فهو يدرأ الأيدي عن المنافذ.
-لكنّي لم أبتعد عن المدينة إلى هذه الضّاحية إلّا هربًا من الحديد إلى الخشب.
-قلتُ: كيف؟
-قال: الحديد جسدٌ، إذا انتصب قضبانًا فهو سجن، أمّا الخشب فروحٌ، وقضبانه العملاقة الوارفة هي ما يشكّل الغابةَ، مهدَ الحرّية.
…
…
لقد أعجبت أيّما إعجاب بدرس صاحبي العميق حول المادّة، حتى إنّني، وأنا أغادر بيته، لم أستطع إخفاءَ نجابتي، فالتفتّ إليه قائلًا: أَغلقِ الشّجرةَ خلفك.
المصدر: وكالات
