يوضح تقرير جديد أنه بعد انهيار آخر معاقل تنظيم “داعش” الإرهابي في الباغوز سنة 2019 “اعتُقل المئات من المغاربة، بينهم رجال ونساء وأطفال، ونُقلوا إلى سجون ومخيمات في شمال شرق سوريا”، ومن بينهم “رجال محتجزون في سجون مكتظة وسط ظروف قاسية يبلغ عددهم 135 معتقلا”، و”نساء وأطفال يعيشون في مخيمات الهول وروج”، حيث يبلغ “عدد النساء 103، وعدد الأطفال المرافقين لأمهاتهم 292، والأطفال اليتامى 31 طفلا”.
ويذكر تقرير “التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين في سوريا والعراق” أن هناك “أطفالا منفصلين عن أمهاتهم”، وموضوعين في مراكز احتجاز “تأهيلية”، كما يقدّر أن الحالة المغربية نموذج لـ”سياسة مزدوجة بين الحذر السياسي والتوجّس الأمني من جهة، والمطالب الحقوقية الملحّة من جهة أخرى”.
ويذكر المصدر ذاته أنه “من منظور حقوقي يثير هذا الملف عدة إشكاليات جوهرية تتطلب اهتمامًا عاجلاً ومعالجة شاملة لضمان احترام حقوق الإنسان الأساسية للمحتجزين، وخاصة الفئات الأكثر ضعفًا”، ومن بينها “إشكال غياب المحاكمات العادلة: غالبية الرجال المحتجزين في شمال شرق سوريا يواجهون الاعتقال دون محاكمة أو إجراءات قانونية شفافة”.
وثاني الإشكالات، وفق الوثيقة، هو “وضعية النساء؛ إذ تُحتجز النساء المغربيات في ظروف غير إنسانية داخل المخيمات والسجون، حيث يفتقرن إلى أبسط الضمانات القانونية والحماية”، مضيفة: “في كثير من الحالات يُفترض أن هؤلاء النساء كن ضحايا للتجنيد القسري أو تم نقلهن إلى مناطق النزاع تحت الإكراه أو التضليل؛ فيما غياب الإطار القانوني الواضح لمعالجة قضاياهن، وعدم توفير الدعم النفسي والاجتماعي اللازم، يزيد من معاناتهن ويجعلهن عرضة لمزيد من الانتهاكات”.
وثالث القضايا المثارة وجود “الأطفال بلا جنسية، إذ يواجه عدد كبير من الأطفال الذين ولدوا في مناطق النزاع، أو الذين تم نقلهم إليها، خطر انعدام الجنسية؛ فكثير منهم لا يحملون وثائق رسمية تثبت هويتهم أو جنسيتهم، ما يعرضهم لخطر التهميش مدى الحياة، ويحرمهم من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية”.
كما أن من الإشكالات “الفصل القسري” المتمثل في “نقل الأطفال إلى مراكز احتجازية أو ‘تأهيلية’ دون إشراف قانوني أو نفسي مناسب، وهو ما يمثل خرقًا خطيرًا لاتفاقية حقوق الطفل؛ ففصل الأطفال عن أمهاتهم أو عائلاتهم دون مبرر قانوني واضح، ودون توفير بيئة آمنة ومستقرة تراعي احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، يمكن أن يترك آثارًا نفسية عميقة وطويلة الأمد على نموهم وتطورهم”، وفق التقرير، مردفا: “يجب أن تكون مصلحة الطفل الفضلى هي الاعتبار الأول في جميع القرارات المتعلقة بهم”.
وفي رصده لـ”المقاربة السياسية” لهذا الملف يسجل المصدر ذاته أن “الموقف المغربي تجاه ملف مواطنيه المحتجزين في شمال شرق سوريا يتسم بالحذر الشديد؛ وهو ما يعكس توازنًا دقيقًا بين الاعتبارات السياسية الداخلية والخارجية”.
وحول ركائز هذه المقاربة المغربية الرسمية أبرزت الوثيقة أن أولى معالمها “رفض الإعادة الجماعية”؛ فـ”على عكس بعض الدول التي تبنت برامج شاملة لإعادة مواطنيها لم تنخرط الدولة المغربية في برنامج جماعي لإعادة المحتجزين؛ وهذا التوجه يعكس سياسة حذرة، تهدف إلى تجنب التداعيات المحتملة لإعادة أعداد كبيرة من الأفراد دفعة واحدة”.
كما يطبع الموقف المغربي “تخوف من تداعيات داخلية؛ إذ تخشى الحكومة المغربية من التداعيات السياسية والأمنية لإعادة أفراد يُنظر إليهم كـ’عائدين خطرين’، خاصة في ظل التحديات الأمنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب والتطرف”. وهذا التخوف “يؤثر على سرعة ووتيرة عمليات الإعادة، ويدفع نحو مقاربة فردية ومدروسة لكل حالة على حدة”.
كما أن هذا الملف يوظّف دبلوماسيا، فـ”يتم أحيانًا طرح ملف المحتجزين في إطار التفاوض مع شركاء أوروبيين، خاصة في ما يتعلق بتبادل المعلومات الأمنية والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب؛ كما يُوظف الملف في سياق دعم الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، ما يمنح المغرب دورًا دبلوماسيًا في هذا الصدد”.
وحول شقّ المقاربة الأمنية للملف سجل التقرير أن “الهاجس الأمني يظل حاضرًا بقوة في التعامل مع ملف المحتجزين المغاربة في سوريا، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على القرارات المتعلقة بإعادتهم وإعادة إدماجهم”. وتفسّر هذه المقاربة “صعوبة التحقق من الهوية؛ إذ يعقّد غياب الوثائق الرسمية للمحتجزين، وخاصة الأطفال الذين ولدوا في مناطق النزاع، عملية التحقق من هويتهم وخلفياتهم”، وأيضا تتوضح في “محدودية برامج الإدماج، لأنه لا توجد حاليًا آلية واضحة ومتكاملة لإعادة إدماج النساء والأطفال العائدين، أو لمتابعة الرجال العائدين أمنيًا ومجتمعيًا؛ وهذا النقص في البرامج المتخصصة يجعل من الصعب ضمان اندماجهم السلمي في المجتمع، ما يستدعي تطوير إستراتيجيات شاملة تعالج الجوانب الاجتماعية والنفسية”.
وفي شق “تأثير التحولات الإقليمية” على وضع “المحتجزين المغاربة في شمال شرق سوريا” يسجل المصدر تصعيب “غياب أي تنسيق مباشر الوصول إلى معلومات دقيقة حول المحتجزين وظروفهم؛ ما يعيق الجهود الدبلوماسية والقنصلية لاستعادة المواطنين، ويجعل عملية التحقق من هوياتهم وتحديد أماكن احتجازهم أكثر تعقيدًا”.
كما أن هناك “احتمالات انهيار المخيمات أو تسرب السجناء؛ إذ تشكل التغيرات المستمرة في موازين القوى في سوريا، والتهديدات الأمنية المتزايدة في مناطق الاحتجاز، خطرًا حقيقيًا لانهيار المخيمات أو تسرب السجناء”؛ وهذا السيناريو “قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والأمنية، ويعرض حياة المحتجزين للخطر”.
المصدر: وكالات
