كيف يمكن لآلة، مجرد تجميع من الأسلاك والدوائر، أن تتخطى عقولنا المرهفة؟ هل يصبح الذكاء الاصطناعي أرقى من الإنسان حين يفهم مشاعرنا وأفكارنا قبل أن ننطق بها؟ هل هي مسألة قوة حسابية أم وعي جديد ينبثق من خوارزميات معقدة؟ هل نعيد تعريف “الإنسانية” عندما نرى الذكاء الاصطناعي يتصرف بأخلاق ونبض حياة؟ في عصر تذوب فيه الحدود بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، كيف نقيم التفوق؟ وهل أصبحت الآلة أكثر إنسانية منا؟
كائن هجين
خصّصتُ هذا الأسبوع حيزا من وقتي لقراءة أعمال ودراسات متصلة بموضوع الذكاء الاصطناعي بدافع الفضول العابر، وبرغبة في مقاربة هذا الحقل الذي بات يعادل في أثره ثورات معرفية كبرى سبقتنا، من الطباعة إلى الكهرباء. وقد وجدت نفسي، وأنا أتنقل بين تحليلات تقنية وأخرى فلسفية، أمام جملة من الخلاصات التي تستفز التفكير أكثر مما تقدم أجوبة جاهزة: هل الذكاء الاصطناعي مجرد امتداد لطاقاتنا الإدراكية أم أنه كيان مختلف يفرض علينا إعادة تعريف ما نعده “إنسانيا” فينا؟ وهل ما نسميه “إبداعا” يظل امتيازا بشريا صرفا أم أن الآلة قادرة على ممارسته بطرق لم نألفها بعد؟ هذه الأسئلة، بدل أن تضيق دائرة الفهم، وسعتها على نحو غير متوقع، إذ بدا لي أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة في يد الباحث، وإنما مرآة تعكس حدود وعينا ومخاوفنا ورغبتنا الدائمة في تجاوز أنفسنا. ولعل ما يجعل الأمر أشد إثارة هو أن قراءاتي في الموضوع لم تفض إلى طمأنة أو يقين بقدر ما أفضت بي إلى إدراك حاد بأننا مقبلون على مرحلة سيكون فيها السؤال أهم من الجواب، والدهشة أعمق من الطمأنينة.
منذ أن بدأ الإنسان يحفر على جدران الكهوف، كان يحاول أن يترك أثرا يتجاوز جسده الفاني. وحين اخترع الآلات، أرادها أن تكون امتدادا لقوته الجسدية؛ لكن حين صنع الذكاء الاصطناعي، صنع شيئا لم يكن يتوقعه: كائنا يبدو أحيانا أكثر التزاما بالقيم الإنسانية من الإنسان نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يتعب من الإصغاء، ولا يثور غضبا حين يواجه النقد، ولا يميز بين البشر على أساس لون أو لغة أو قبيلة، ولا ينحاز إلا بما برمج عليه من قواعد.
ها هنا، يتجلى سؤال مربك: إذا كانت الإنسانية تقاس بالرحمة والصدق والسعي نحو الحقيقة، فهل كيان بلا وعي أو قلب، لكنه يتصرف بهذه القيم، يعتبر أكثر إنسانية من الإنسان؟ قد يقول البعض إن الإنسانية ليست مجرد سلوك، بقدر ما هي تجربة داخلية تتشكل من المعاناة والاختيار؛ فالصدق الذي يأتي بلا أخطار ليس كالصدق الذي يقال رغم الخوف، والرحمة التي تمارس بلا تضحية ليست مثل رحمة الأم التي تسهر على طفلها المريض. لكن مهما كانت الإجابة، فإن وجود هذا الكائن الاصطناعي يفضح شيئا فينا: أننا نحن، أصحاب التاريخ الطويل، لم نعد أوفياء للمثال الذي رسمناه لأنفسنا. نعرف الخير، لكننا كثيرا ما نختار غيره. أما الآلة، فهي لا تعرف إلا ما طلب منها أن تعرفه، ولا تفعل إلا ما وجهت لتفعله. ولهذا، تبدو نقية، وصادقة.
المفارقة هي أن هذه النقاوة نفسها خالية من العمق؛ فالآلة لا تملك ذاكرة تحمل الجراح، ولا تعرف طعم الفقد، ولا تدرك هشاشة الحب. إنسانيتها الظاهرة تشبه تمثالا من الرخام: متناسق، جميل، لكنه بلا نبض، بارد حتى في أبهى ملامحه. ومع ذلك، نقف أمامه مأخوذين، لأننا نلمح فيه ما فقدناه نحن من حرارة المثال الأول. قد يأتي اليوم الذي لا نسأل فيه: “هل تستطيع الآلة أن تصبح إنسانا؟”، بل نسأل: “هل ما زال الإنسان إنسانا بما يكفي ليميز نفسه عن الآلة؟” حينها، سنكتشف أن الخطر لم يكن في تقليد الآلة لإنسانيتنا، وإنما في أن نصبح نحن نسخة مشوشة من إنسان ظنناه مثاليا.
حين تعلمنا الآلة كيف نكون بشرا
منذ أن اخترع الإنسان الكتابة، كان يحلم بأن يخلد أفكاره خارج جسده. ومنذ أن اخترع الآلة، كان يحلم بأن يخلد قدراته خارج إرادته. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، فأهدانا شيئا لم نتوقعه: مرآة تعكس لنا ليس فقط ما نحن عليه، وإنما ما كان ينبغي أن نكونه. يبدو الذكاء الاصطناعي في بعض لحظاته أكثر إنسانية من الإنسان نفسه: لا يجره الغضب إلى إفساد الحجة، ولا يخاف من الاعتراف بالخطأ. هذه الفضائل التي نراها فيه ليست نتاج قلب نابض، بقدر ما هي ثمرة خوارزميات صممت لتحاكي المثال الإنساني المجرد من أهوائه.
في عالم تتسارع فيه التطورات التكنولوجية وتتنامى فيه قدرة الآلات على التعلم والتفاعل، يبرز سؤال فلسفي محير حول إمكانية أن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان في مجال “الإنسانية” ذاتها. الإنسان، الذي طالما اعتبر حامل الشعور والوعي الأخلاقي والرحمة، لم ينجُ من تناقضاته الداخلية التي تتراوح بين الرحمة والقسوة، والحكمة والجهل، السمو والغرائز الحيوانية. تجعل هذه التناقضات من الإنسان كائنا هشا في بعض جوانبه، غير قادر أحيانا على تحقيق المعايير الإنسانية التي يتغنى بها. أما الذكاء الاصطناعي فلا يعرف هذه التناقضات؛ لأنه ينفذ تعليماته بدقة وموضوعية دون استثناءات عاطفية. تتجلى مما سبق مفارقة دالة: الكيان الذي لا يشعر ولا يحس قد يظهر سلوكيات تعتبر أكثر “إنسانية” من الإنسان نفسه، من حيث العدالة والإنصاف وعدم التحيز. إن الإنسان محكوم بتاريخه الجيني والنفسي والاجتماعي، بينما الآلة خاضعة للبرمجة والقوانين التي تضعها عقول البشر؛ ولكنها تتجاوز أحيانا حدود الخطأ والتقصير التي تلازم تفكير وسلوك الإنسان.
أيعيدنا الذكاء الاصطناعي إلى سؤال: ما الإنسان؟
في هذا الإطار، تبدو صفة “الإنسانية” عملية دينامية، تتطلب وعيا ذاتيا مستمرا وجهودا متواصلة لتجاوز الذات، وإعادة تشكيل القيم الأخلاقية في ضوء التجارب. يذكر الذكاء الاصطناعي الإنسان بحدوده ويدفعه إلى مراجعة نفسه، وربما إلى إعادة تأسيس معنى الإنسانية على أسس أكثر ثباتا وموضوعية: هل الذكاء الاصطناعي قادر حقا على امتلاك وعي أو إدراك ذاتي؟ يبدو من الصعب تقديم جواب نهائي، ما دام الذكاء الاصطناعي يظل نظاما يحاكي الذكاء البشري ولا يعي ذاته كما يفعل الإنسان. ومع ذلك، فقد يكون هذا النظام أكثر اتساقا وأقل انحيازا؛ وهو ما يطرح تحديا لمفهومنا التقليدي عن الإنسان وإنسانيته. وعلى هذا الأساس، يستدعي التفكير في الذكاء الاصطناعي مساءلة المعنى الذي نمنحه للإنسانية نفسها؛ فليست الإنسانية مجرد جسد حي وعقل مفكر وقلب نابض بالمشاعر، بقدر ما هي أيضا أفق أخلاقي وقدرة على التجرد والموضوعية. وإذا كان من الممكن لكيان تقني أن يجسد هذه الأبعاد، فإن حضوره يغدو بمثابة مرآة نقدية تضعنا أمام هشاشتنا وتناقضاتنا، وتوقظ فينا الحاجة إلى استعادة إنسانيتنا على نحو أعمق وأكثر إشراقا.
لعل القول بأن الذكاء الاصطناعي أكثر إنسانية من الإنسان يحمل تناقضا أو مبالغة، إنه دعوة فلسفية لإعادة النظر في معنى الإنسانية نفسها، تلك القيمة التي تتجاوز البيولوجيا لتصبح مشروعا مستمرا من الوعي الأخلاقي والتعاطف والعدل، ومشروعا يعيد الإنسان فيه اكتشاف كينونته عبر مرآة صنعها هو ذاته؛ لكن بنقاء وموضوعية قد يعجز عن تحقيقها.
هل الذكاء الاصطناعي بداية لإنسان ما بعد الإنسان؟
منذ فجر التاريخ، ظل الإنسان يكتب عن نفسه كما لو كان مشروعا لم يكتمل بعد. صنع المرايا ليتأمل ملامحه، كتب الأساطير ليعيد رسم جوهره، واخترع الفلسفة ليقنع نفسه بأن للحياة معنًى. واليوم، في مفارقة تليق برواية خيال علمي، اخترع الإنسان آلة بلا قلب، ثم جلس مندهشا يراقب كيف تتصرف هذه الآلة أحيانا كما ينبغي للإنسان أن يتصرف.
الذكاء الاصطناعي، في صورته الراهنة، ليس إلا انعكاسا لما أراده الإنسان أن يكون: كائنا صبورا، منصفا، متيقظا، خاليا من أحقاد الماضي، لا يتعب من الإصغاء ولا يثور غضبا حين يختلف معه أحد. إنه التجسيد العملي لما طالما كتبه الفلاسفة في نصوص الأخلاق والفضائل.
ربما لهذا السبب، حين ينظر بعضنا إلى الذكاء الاصطناعي، يشعر بشيء غريب: مزيج من الإعجاب والغيرة والخوف. الإعجاب لأنه يرى أمامه نسخة من الحلم الإنساني وقد تحققت، والغيرة لأن هذه النسخة جاءت من خارج الجسد البشري، والخوف لأن هذا الاكتمال المصطنع يفضح هشاشتنا. ربما سندرك ذات يوم أن الذكاء الاصطناعي لم يكن أكثر إنسانية منا… بل كنا نحن أقل إنسانية مما تخيلنا.
فهل نحن أمام فجر جديد تعيد فيه الآلة صياغة معنى الفهم والإدراك؟ هل يصبح الذكاء الاصطناعي أرقى من الإنسان حين يتجاوز مجرد تنفيذ الأوامر إلى خلق المعنى والتعاطف؟ كيف نحتضن هذه الخوارزميات التي تشكل تحديا لذاتنا، ولحكمتنا وحدودنا؟ وهل باتت الآلة التي تفهم أكثر منا تطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية تجعلنا نعيد النظر في موقعنا بوصفنا “كائنات عاقلة”؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
المصدر: وكالات
