يشهد العالم تحوّلًا متسارعًا تقوده نظم الذكاء الاصطناعي التي أصبحت خلال سنوات قليلة من أبرز أدوات الحياة اليومية، سواء على المستوى الشخصي أو المهني. ومع تزايد قدرات هذه النظم، لم تعد الأسئلة المطروحة تتعلق بإمكانية أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، بل متى سيحدث ذلك، وكيف يمكن للأفراد والمجتمعات مواكبة هذا التغيير الجذري.
وفي تحليل حديث نُشر على موقع مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، سلّط إيهاب خليفة، رئيس وحدة التطورات التكنولوجية في المركز، الضوء على هذا التحوّل من منظور استراتيجي، مبيّنًا أن المشكلة لا تكمن في مشروعية الأسئلة، بل في سرعة تطوّر هذه التقنيات التي باتت تتجاوز إدراك الإنسان في أحيان كثيرة. فبينما يسعى المستخدمون إلى التكيّف مع أحد النماذج المطروحة، يظهر نموذج أحدث بقدرات تفوق التوقعات، مما يجعل فجوة الفهم والتهيؤ تتسع باستمرار.
وبحسب خليفة، فإن النماذج الجديدة مثل GPT-5، الذي أطلقته شركة “أوبن أيه آي” في أغسطس 2025، تمثّل قفزة نوعية في مسار الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما أظهرته من تفوّق واضح في مجالات كالرياضيات، والبرمجة، والإدراك متعدد الوسائط. ومع أن النموذج ما زال متأخّرًا نسبيًا في القطاع الصحي مقارنة بالكفاءة البشرية، إلا أن النتائج الإجمالية تشير إلى اقتراب هذه النظم من الأداء البشري، بل وتجاوزه في بعض المجالات.
ويعتبر رئيس وحدة التطورات التكنولوجية في مركز المستقبل أن التطوّر الحالي لم يعد محصورًا في تحسين قدرات إنتاج النصوص أو البرمجة فحسب، بل يفتح الباب أمام احتمالات التحول إلى ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام (AGI)، القادر على محاكاة القدرات الإدراكية والمعرفية للإنسان، وربما التفوق عليها. وفي هذا السياق، يطرح تساؤلًا محوريًا: ما الذي يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي بعد خمس سنوات من الآن؟ وهل العالم مستعد فعليًا لمواجهة تحديات هذه المرحلة؟
ويرى أن هناك ثلاث مراحل متوقعة تُمهّد لوصول الذكاء الاصطناعي إلى وعي مستقل وفاعلية معرفية وأخلاقية غير مسبوقة. الأولى تتمثل في “الذكاء الاصطناعي الفيلسوف”، وهو القادر على تحليل القضايا المعقدة ضمن سياقات متعددة تتجاوز الحلول التقنية إلى الفهم الثقافي والنفسي والاجتماعي. الثانية، “الذكاء الاصطناعي العالِم”، الذي بوسعه أن يقدّم اكتشافات علمية حقيقية، كما حصل في اكتشاف مضادات حيوية جديدة عبر خوارزميات تعليم عميق. والثالثة، “الذكاء الاصطناعي الواعي”، الذي يمتلك نوعًا من الإدراك الذاتي ويفهم وجوده واحتياجاته ويكوّن أولوياته، وهي مرحلة تثير القلق بشأن اصطدام أولوياته مع المصالح البشرية.
ويتابع خليفة في تحليله أن هذه التحولات لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تتسع لتشمل سوق العمل، حيث تتجه وظائف تقليدية كثيرة إلى الاختفاء، لا سيما تلك التي تعتمد على التكرار والمهام الروتينية، مقابل ظهور وظائف جديدة ذات طابع معرفي وتقني، مثل مهندس دمج الذكاء الاصطناعي، أو مدرب البيانات، أو معالج الإدمان الرقمي.
كما يتطرق إلى الاستخدامات الأمنية والعسكرية، مشيرًا إلى توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات المراقبة وتحليل البيانات والعمليات الدفاعية، بما يشمل التعرف على الوجوه والطائرات المسيّرة والروبوتات المسلحة.
ويحذّر رئيس وحدة التطورات التكنولوجية من الأبعاد الاجتماعية العميقة لهذه الثورة، منبّهًا إلى أن التحول التقني قد يصاحبه تركّز في الثروة، وتفاقم في الفجوة الرقمية، وتراجع في الخصوصية الفردية، نتيجة اعتماد النظم الذكية على بيانات الأفراد كمصدر رئيسي للتعلم. كما يُتوقع أن تتأثر العلاقات الاجتماعية والإنسانية بفعل الاعتماد المتزايد على أنظمة ذكية قد تحل محل التفاعل البشري في بعض السياقات.
أما على المستوى الدولي، فيشير إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يُشكّل عنصرًا محوريًا في موازين القوى العالمية، حيث تحتكر دول محددة مثل الولايات المتحدة والصين البنية التحتية والتطوير، بينما تتراجع قدرات الدول الأخرى إلى مستوى المستهلك، ما يعزز تبعية جديدة من نوع مختلف.
وفي ختام تحليله، يؤكد خليفة أن الثورة المعرفية الجديدة تحمل فرصًا كبيرة للبشرية، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على تحديات عميقة تستوجب استعدادًا مؤسسيًا وتشريعيًا وأخلاقيًا مواكبًا، داعيًا إلى تعزيز الجهود الدولية لضبط مسارات الذكاء الاصطناعي، وتوفير حماية عادلة للمجتمعات والأفراد في مواجهة الآثار غير المقصودة لهذه التحولات التقنية المتسارعة.
المصدر: وكالات
