صحة
من المتوقع أن يستفيد آلاف مرضى السرطان من اختبار دم جديد، يُعد الأول من نوعه عالميًا، أطلقته هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا (NHS)، إذ يُسهم هذا الاختبار في تسريع الوصول إلى العلاج ويُغني عن الحاجة إلى الخزعات الجراحية التقليدية.
ويُعرف هذا الفحص باسم «الخزعة السائلة» (Liquid Biopsy)، ويجري تطبيقه حاليًا على نحو 15 ألف مريض يُشتبه بإصابتهم بسرطان الرئة، بحسب ما أعلنت عنه NHS إنجلترا.
ونقلًا عن «ديلي ميل»، تُوجد خطط لتوسيع استخدام هذا الفحص ليشمل مرضى سرطان الثدي المتقدم، وقد يشمل لاحقًا مرضى سرطان البروستاتا.
ماذا تفعل الخزعة السائلة؟
وتعتمد آلية عمل هذا الاختبار على تحليل شظايا من الحمض النووي للورم الموجودة في عينة دم بسيطة، ما يُمكن الأطباء من تحديد الطفرات الجينية بسرعة وربطها بالعلاجات المستهدفة المناسبة.
هذا يعني أن المرضى يمكنهم بدء العلاج في وقت مبكر، دون الحاجة للانتظار لنتائج الخزعات النسيجية التقليدية.
وأشار المسؤولون إلى أن اعتماد هذا النهج يُعد الأول من نوعه على مستوى العالم، حيث تتبنى دولة نظامًا صحيًا يعتمد على “اختبار الدم أولًا” لتشخيص السرطان على نطاق وطني.
ويجري حاليًا استكشاف إمكانية استخدام الاختبار في أنواع أخرى من السرطان، مثل سرطان البنكرياس وسرطان المرارة.
يُذكر أن تشخيص سرطان الرئة عادة ما يتم من خلال الفحوصات التصويرية (مثل الأشعة المقطعية) وخزعات الأنسجة، حيث تُفحص عينة من الورم تحت المجهر لتحديد طبيعة المرض.
الخزعة السائلة تُحدث ثورة في علاج السرطان داخل NHS
رغم أن الاختبارات الجينية يمكن إجراؤها على عينات الأنسجة، إلا أن ذلك يستغرق وقتًا طويلاً، نظرًا لحاجة العينات إلى النقل إلى مختبرات متخصصة. أما الخزعات السائلة فتُقدّم نتائج أسرع، وتُستخدم بطريقة أقل تدخلاً بكثير.
حتى الآن، تلقّى حوالي 10,000 مريض بسرطان الرئة غير صغير الخلايا (وهو النوع الأكثر شيوعًا) هذا الاختبار ضمن مشروع تجريبي شمل 176 مستشفى تابعًا لـNHS.
وأظهرت البيانات أن المرضى الذين خضعوا للخزعة السائلة تمكنوا من بدء العلاج بمتوسط 16 يومًا أسرع مقارنة بمن خضعوا لخزعات الأنسجة التقليدية.
ويُشير تحليل مستقل إلى أن هذا الاختبار قد يوفر على الهيئة ما يصل إلى 11 مليون جنيه إسترليني سنويًا في تكلفة رعاية مرضى سرطان الرئة.
كما أعلنت هيئة NHS توسيع نطاق هذا الاختبار ليشمل مرضى سرطان الثدي المتقدم، مع إجراء فحوصات على عدة طفرات جينية، ومن المتوقع أن تستفيد منه نحو 5,000 امرأة سنويًا.
وقال البروفيسور بيتر جونسون، المدير الوطني السريري للسرطان في NHS: «الخزعات السائلة تُدخلنا في عصر جديد من الرعاية الشخصية للسرطان. ومن الرائع أننا أصبحنا قادرين على توسيع نطاق هذا الاختبار الثوري لمساعدة الآلاف من المرضى في تلقي العلاج المناسب لهم».
وأضاف جونسون: «الاختبارات الجينية المتقدمة تُساعدنا على تقديم رعاية أكثر استهدافًا ولُطفًا للمرضى، وتمكن البعض من تجنّب العلاجات المكثفة مثل العلاج الكيميائي الإضافي، الذي قد يُؤثر بشدة على جودة الحياة، لقد بدأنا بالفعل نرى الفرق الحقيقي الذي يُحدثه هذا الفحص في سرطاني الرئة والثدي، ونأمل أن يتم تعميمه قريبًا على أنواع أخرى من السرطان».
ومع تقدُّم الأبحاث، من المثير للاهتمام أن هذه التقنية قد تمكّننا مستقبلاً من «مسح» الجسم بالكامل عبر اختبار دم واحد لرصد أماكن انتشار السرطان بدقة وسرعة.
“أما وزير الصحة البريطاني ويس ستريتينغ، فقال إن تطبيق هذا الفحص سيمنح الآلاف من الناس راحة البال
وأضافت البروفيسورة السيدة سو هيل، كبيرة المسؤولين العلميين في إنجلترا: «يمثل هذا الفحص نقلة نوعية في الرعاية لمرضى سرطان الرئة والثدي المؤهلين في إطار NHS.
هذه التقنية تُحدث تحولًا في الرعاية، وتُساعد الأطباء على مطابقة المرضى مع العلاجات المستهدفة بسرعة ودقة، خاصة في الحالات التي لا تتوافر فيها أنسجة سرطانية كافية للفحص».
ومن بين المرضى الذين استفادوا من هذا الفحص كانت ريبيكا بروكتور، 41 عامًا، من كارلايل، والتي تم تشخيص إصابتها بسرطان الرئة غير صغير الخلايا في مرحلته الرابعة في يناير الماضي، إذ أظهر فحص الخزعة السائلة وجود طفرة جينية في جين ALK، ما جعلها مؤهلة لتلقي علاج مستهدف يُعرف باسم brigatinib، وتم تأكيد النتيجة بعد ذلك عبر خزعة تقليدية خلال 10 أيام.
ما هي الخزعات السائلة؟
ونقلًا عن «منظمة أبحاث السرطان البريطانية» الخزعات السائلة، تعتمد على عينات سوائل مثل الدم أو البول، تساعد الأطباء على فهم ما يحدث داخل الأورام السرطانية دون الحاجة إلى إزالة الأنسجة جراحيًا، وهذه التقنية يمكن أن تُسرع وتحسن عملية تحديد أفضل العلاجات لكل مريض على حدة، مما يمنح المزيد من الأشخاص فرصة لحياة أطول وأفضل بعد تشخيص الإصابة بالسرطان.
فالخزعات السائلة يمكن أن تُسرع الانتقال من التشخيص إلى العلاج، وهو أمر بالغ الأهمية، خصوصًا في حالات السرطان المتقدمة، حيث قد تتدهور الحالة الصحية بسرعة.
صعود الطب الدقيق والعلاجات الموجهة للسرطان
ولأن الجراحة هي العلاج الأول والأكثر شيوعًا لأنواع السرطان التي يمكن استئصالها جراحيًا، وغالبًا ما يتبعها علاجات تقليدية أخرى مثل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، بهدف قتل الخلايا السرطانية المتبقية ومنع عودة المرض.
أما في الحالات التي لا تكون الجراحة فيها خيارًا مناسبًا، أو إذا كان الورم قد انتشر بدرجة كبيرة لا تسمح باستئصاله، فقد يبدأ الأطباء بالعلاج الكيميائي أو الإشعاعي كخيار أول، لكن هذه العلاجات ليست دائمًا الأنسب أو الأكثر فاعلية لكل حالة.وهنا يأتي دور الخزعات السائلة، التي قد تساعد المزيد من المرضى على الاستفادة من نهج علاجي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق (Precision Medicine).
يُحدث الطب الدقيق ثورة في رعاية مرضى السرطان، إذ يُمكّن من تخصيص العلاج بناءً على الطفرات الجينية الفريدة التي تدفع كل نوع من السرطان للنمو والانتشار، ويعتمد هذا النهج على الاختبارات الجينية التي تمكن الفرق الطبية من تحديد ما إذا كان الورم يحتوي على تغيّرات جينية قابلة للاستهداف (actionable).
إذا كانت هذه التغيّرات موجودة، يمكن لأطباء الأورام أن يربطوا المريض بالعقار المستهدف المناسب، والذي يكون عادةً أكثر فعالية من العلاجات التقليدية.
وعادةً ما تتطلب الاختبارات الجينية التقليدية الحصول على عينة من نسيج الورم (خزعة). لكن في كثير من الحالات، قد يكون من الصعب إجراء هذه الخزعات، أو قد تستغرق وقتًا طويلاً حتى تظهر نتائجها.
وهنا تبرز الخزعات السائلة كبديل واعد، إذ يمكن استخدام عينات سوائل يسهل الحصول عليها مثل الدم بدلًا من خزعات الأنسجة، لتحليلها والبحث عن تغيّرات جينية قابلة للاستهداف.
