“إحياء تراث قديم بصورة جديدة”، يحضر في عمل هائل نهض به باحثون وأجواق موسيقية ومبرمجون مغاربة، جمع كافة نوبات الموسيقى الأندلسية المغربية، المعروفة بـ”طرب الآلة”، وأداها، ودوّنها بطريقة تتيح قراءتها من لدن الموسيقيين في مختلف أنحاء العالم، مع إتاحة متابعة شعرها رقميا، والتعرف على أعلامها وتاريخها وعمقها في تطبيقات تفاعلية.
“أنطولوجيا الموسيقى الأندلسية المغربية” تأتي عملا متوجا لجهود عبر العقود؛ من بينها تحقيق وإخراج أكاديمية المملكة المغربية مرجع “كناش الحايك”، بعين وقلم مالك بنونة، ومراجعة عباس الجراري، علما أنه يضم حفظ محمد الحايك التطواني نوبات طرب الآلة التي حوفظ عليها حتى عصره في القرن الثامن عشر الميلادي. ومن المحطات البارزة في حفظ هذا الإبداع، أندلسي المنشأ الذي حفظه المغاربة والمغاربيون وأضافوا إليه وأبدعوا فيه، تسجيل وزارة الثقافة المغربية “أنطولوجيا موسيقى الآلة” بين سنوات 1989 و1991، وإصدار “أكاديمية المملكة” سلسلة مهتمة بدراسة نوبات طرب الآلة وتقعيدها، وقعها الباحث والموسيقي عمر المتيوي، وصدرت منها إلى اليوم ثلاثة مجلدات.
ويضاف هذا إلى اهتمامات أخرى بالذاكرة الفنية والشعرية المغربية؛ من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، إصدار أكاديمية المملكة “معلمة الملحون” التي أعدها أول وزير ثقافة مغربي محمد الفاسي، و”موسوعة الملحون” التي أشرف عليها الأكاديمي الراحل عباس الجراري الذي ارتبطت بعطائه صفة عميد الأدب المغربي، و”أنطولوجيا الروايس” التي أشرف عليها الباحث إبراهيم المزند، فضلا عن مؤلفات أخرى من بينها الكتاب الجميل حول “الموسيقى اليهودية بالمغرب” الذي أعده الباحث الموسيقي أحمد عيدون، وصدر بثلاث لغات، إضافة إلى إعادة إصدار أطروحة الباحث والشاعر حسن نجمي المعنونة بـ”غناء العيطة.. الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية في المغرب”، وإصدار “الأكاديمية” آخر إصدارات عميد الطرب الغرناطي أحمد بيرو الذي دوّن فيه الأشعار والأزجال و”البراول” المرافقة للنوبات الأندلسية الغرناطية بالرواية الرباطية.
مجهود جماعي
المقصد الأول لـ”أنطولوجيا الموسيقى الأندلسية المغربية (الآلة)”، وفق عمر المتيوي، الموسيقي والباحث في موسيقى الآلة ورئيس جمعية “روافد موسيقية” بطنجة، هو “أن نجمع من جديد جميع النوبات بالتسجيل والتدوين والكلمات، وتقنيات حديثة، في صندوق يحتوي كتبا وكتابا جميلا كبيرا يعرف بالأجواق والفنانين المشاركين، والمساهمين ماديا بالعمل، وعلى رأسهم أنس الصفريوي، وجمعيات هواة الموسيقى الأندلسية بالمغرب، وهو ما أشرفت عليه لجنة سهرت على السير العملي، يترأسها عزيز العلمي الكرفطي، ومنير الصفريوي، وكوثر جسوس”.
وأضاف المتيوي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية: “التسجيلات تمت في معهد الجامعي بفاس، وكان المشرف عليها أحمد بريول، بمساهمة 7 أجواق، من مختلف مدن المغرب، وكان تسجيل ست نوبات من نصيب جوق محمد بريول من فاس، ونوبتان من نصيب روافد موسيقية بطنجة أي جوق عمر المتيوي، وكذلك جوق جمال الدين بنعلال، ونوبة واحدة لسي محمد أمين دبي بالرباط، ونوبة من تطوان لمحمد الأمين الأكرمي، ونوبة سجلها جوق أنس العطار فاس، كما سجل جوق عبد المالك العثماني بفاس ميازين اليتامى والتواشي”. وبالتالي يتوفر، اليوم، “تسجيل أكثر من 132 ساعة من الموسيقى تجمع جميع النوبات الأندلسية المغربية”، في مجهود “لا يمكن أن نقاربه إلا مع أنطولوجيا وزارة الثقافة التي أعدت بين سنوات 1989 و1992، في عهد الوزير محمد بن عيسى التي كان لها صدى جد رفيع، وجل المعلمين كانوا في سن جد متقدم آنذاك، مثل مولاي أحمد الوكيلي الذي توفي والأنطولوجيا في مرحلة التدريبات قبل التسجيل، وساير العملية محمد الطود الراحل الآن، وذاك كان جمعا جد مهم للذاكرة”.
تيسير للطلاب الجدد
ذكر المتيوي أن الطالب عندما يبحث في تسجيلات موسيقى الآلة يجد “تساجيل الإذاعة والتلفزة المغربية، في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، والذخيرة في الإذاعة الوطنية”، والأخرى التي “سجلتها شركات “فاسي فون” و”أوحمان” مثلا وهي تسجيلات تجارية لمقاطع خفيفة، إلى جانب تسجيلات أخرى لـ باجدوب، والصويري… أما ‘الآلة الصحيحة’ بطقوسها ودخلتها وخرجتها، وعبر الموازين من الثقيل وصولا إلى الإيقاع الخفيف فإنها لم تكن متوفرة، وغطت الأنطولوجيا التي سجلتها وزارة الثقافة خصاص ذلك الوقت (بداية التسعينيات) لكن الكثير من الصنائع لم تسجل. ومن ثمّ، جاءت هذه الأنطولوجيا لـ”تدارك الصنعات اليتيمة، والمخفية، في بعض المناطق وخاصة شمال المغرب؛ وجمع التراث من جديد، واستكمال تسجيل النوبات، والتوشيات”، في تطبيق لمدون “كناش الحايك” المرجع الذي “لم يعد نظريا، بل صار تطبيقيا إذ استطعنا إعادة أنغامه” الأصلية، وقد “أضيفت لها الكتابة الموسيقية الكاملة لجميع النوبات، باستعمال النقحرة، أي النقل الحرفي بكتابة اللغة العربية باللاتينية؛ الذي بدأته في كتاب ‘نوبة الاستهلال’ ليأخذ كل موسيقي في العالم الفكرة عن اللحن الأصلي”.
وزاد الموسيقي والباحث في موسيقى الآلة: “ترافق كل هذه الكتب لوحة إلكترونية تفاعلية، فيها تطبيقات عديدة، ونسخة رقمية لجميع الكتب، وتطبيق لسماع الآلة ورؤية الآلات الموسيقية، وتطبيق آخر لتتبع الموسيقى بالكلمات والتراطين، لأول مرة؛ بدقة؛ فما تسمعه تراه بخط واضح، لتتبع الفقرات الموسيقية”.
وتابع المتحدث شارحا: “هذه طريقة ربما نوصلها إلى المعاهد الموسيقية والمتعلمين؛ أداة واضحة، وسهلة حتى للأستاذ الملقن للصنعة، لأن اللوحة الرقمية لا تتعب، ويمكنها التكرار باستمرار، وتشكل بالتالي أداة ديداكتيكية حديثة”.
عالمية رغم التحديات
رأى عمر المتيوي أن تجميع القدرات من صوت وكتابة وكلمات وتنقيح بطريقة ديداكتيكية ولوحة رقمية “إنجاز حداثي، جد مهم، يحفظ الذاكرة بشتى الطرق المكتوبة والمسموعة”، وإسهام لـ”الهوية الوطنية في نقل هذا الإرث الثمين”.
ثم قال رئيس جمعية “روافد موسيقية” بطنجة: “هذه أداة للتفاعل مع الآخر، عبر النقحرة، التي تمكن من أنه حتى ولو لم يكن الفنان مغربيا أو عربيا يعرف الآلة فإن قراءتها متاحة له لأنها مدونة بحرف لاتيني؛ فالفنان العالمي في الأوبرا يغني بلغة لا يعرفها، لكنه يعرف نطقها مما تسمح به الكتابة الموسيقية، ويدرس نطقها فقط؛ وبالتالي نقحرة ‘الآلة’ طريقة لفتح هذه الموسيقى على العالمية”.
ومن بين ما يميز هذا الصندوق الضام مختلف جوانب “موسيقى الآلة”؛ كونه “تفاعليا، لتحبيب المادة للطالب، وحتى لا يراها مرتبطة فقط بالجلباب والطربوش والبلغة، لأنه يوجد من لم يعد يحب هذا أو يذكره بتاريخ ما”، رغم أنه هذه “موسيقى تصالحنا مع ذاتنا ومع مقومات حضارتنا، ولغتنا الشعرية القوية، التي نشأت مع الموشحات والأزجال والشعر العروضي القادم من الشرق والمتطور بالأندلس والمغرب والدول المغاربية، وهو ما تطور إلى أن أعطانا الملحون”.
وأردف الموسيقي والباحث قائلا: “هذا المستوعب (الصندوق) بكافة وسائله المكتوبة والمسموعة والرقمية، يسلط الضوء على هذه الموسيقى التي كان المجتمع برمته يحافظ على تراثها في الأفراح والأعراس؛ لكن للأسف في هذا الوقت انسحب الكل إلى الموسيقات الدخيلة والهجينة والراقصة.. وتركنا التراث، الذي ليس عبئا علينا؛ بل هو غنى يستوجب الدراسة والقراءة والتحضير والآليات، لنصل إلى مثل ما وصلته الموسيقى الكلاسيكية في العالم التي لو لم تحافظ عليها الدول العظمى لاندثرت، لأن أوركستراتها وأوبراتها مكلفة جدا”.
وشدد المتيوي على أن “الحفاظ على ذاكرتنا برمتها يتطلب مجهودا كبيرا جدا؛ لكن للأسف المعاهد الموسيقية لا تقوم اليوم بدورها الكافي في الموضوع، والأساتذة محبطون شيئا ما دون ترسيم وتحفيز وآليات”، لافتا إلى أن “لنا كفاءات في الأجواق؛ لكن من سيشغلهم ويهتم بهم إذا لم يغنوا الغناء الراقص أو الشعبي؟!”.
المصدر: وكالات
