باتت الصناعات الإبداعية محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي في العديد من الدول، وتسعى قطر إلى تعزيز دورها في هذا المجال من خلال شراكات استراتيجية. وفي هذا الإطار، وقعت متاحف قطر مذكرة تفاهم مع وزارة الأعمال والتجارة في المملكة المتحدة والمجلس الثقافي البريطاني، بهدف تعزيز التعاون في الصناعات الإبداعية، وذلك ضمن فعاليات المهرجان البريطاني في قطر 2025. هذه الخطوة تعكس التزام قطر بتطوير قطاع الفنون والثقافة كرافعة اقتصادية مستدامة.
تعزيز التعاون في الصناعات الإبداعية: شراكة قطرية بريطانية واعدة
جاء توقيع مذكرة التفاهم، وفقاً لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، كجزء من جهود قطر المستمرة لتنويع اقتصادها وتعزيز دوره في الاقتصاد العالمي. وتركز الشراكة على تبادل المعرفة، وبناء شبكات التواصل، وتوفير الوصول إلى منصات متخصصة للمبدعين القطريين، مما يتيح لهم تطوير مهاراتهم والوصول إلى جمهور أوسع. تهدف هذه المبادرة إلى تحويل الإبداع إلى قطاع إنتاجي منظم، يتجاوز العرض الفني ليشمل سلاسل القيمة المتكاملة من الفكرة إلى التسويق والتوزيع.
أهداف المذكرة ومجالات التعاون
تتضمن مذكرة التفاهم عدة محاور رئيسية للتعاون، بما في ذلك تبادل الخبرات في مجال إدارة المتاحف والمعارض الفنية، وتطوير برامج تدريبية متخصصة للفنانين والمصممين القطريين. كما تسعى الشراكة إلى تسهيل مشاركة الفنانين القطريين في المعارض والمهرجانات الدولية في المملكة المتحدة، وتعزيز التبادل الثقافي بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، تهدف المذكرة إلى دعم المشاريع الإبداعية الناشئة في قطر، وتقديم الدعم المالي والفني للمبدعين.
أكد محمد سعد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر، أن هذه الاتفاقية تمثل امتداداً طبيعياً للتعاون الثقافي القائم مع المملكة المتحدة منذ عام 2013. وأضاف أن المرحلة المقبلة ستركز على توسيع نطاق التبادل الثقافي والاقتصادي، وتعزيز الحضور الدولي للأصوات الإبداعية القطرية من خلال شراكات استراتيجية تفتح أسواقاً وخبرات جديدة.
من جانبه، صرح روبرت دانييلز، مدير قطاع الخدمات في وزارة الأعمال والتجارة البريطانية، بأن الصناعات الإبداعية تلعب دوراً محورياً في تحقيق النمو الشامل والمستدام. وأشار إلى أن الشراكة مع قطر تعكس التزام لندن بدعم الطموحات الإبداعية للدولة، والمساهمة في بناء روابط عملية بين المبدعين ورواد الأعمال في كلا البلدين.
قطر: بيئة حاضنة للإبداع والابتكار
تتمتع قطر ببنية تحتية ثقافية متطورة، تشمل متاحف عالمية المستوى مثل متحف الفن الإسلامي ومتحف قطر الوطني، بالإضافة إلى الحي الثقافي كتارا ومؤسسة الدوحة للأفلام. هذه المؤسسات توفر منصات عرض وإنتاج وتفاعل للمبدعين، وتساهم في جذب المواهب من جميع أنحاء العالم. بالإضافة إلى ذلك، توفر قطر بيئة تشريعية داعمة للمشاريع الإبداعية، ورؤية واضحة تجعل الثقافة جزءاً أصيلاً من التنمية الوطنية.
يرى الباحث في الشأن الفني، الخطاط رضوان الحسيني، أن مذكرة التفاهم تمثل نقطة تحول حقيقية في مسار الفنون في قطر، حيث تنقلها من فضاء المبادرات الفردية إلى منظومة متكاملة ذات أثر مستدام. وأضاف أن هذه الشراكة ستمنح الفنان القطري فرصة كبيرة لعرض أعماله على الساحة الفنية العالمية، والاستفادة من الخبرات البريطانية في مجال إدارة الفنون وتسويقها.
الأثر المتوقع على المواهب القطرية
من المتوقع أن تساهم هذه الشراكة في خلق فرص عمل جديدة في مجالات الأزياء والتصميم والإعلام والموسيقى والتصوير. كما ستدعم تطوير المهارات المهنية للفنانين والمصممين القطريين، وتمكينهم من الانتقال من الهواية إلى الاحتراف. بالإضافة إلى ذلك، ستتيح الشراكة للمواهب الناشئة الوصول إلى منصات دولية وخبرات متخصصة، مما يعزز قدرتها التنافسية في السوق العالمية. وتشمل الخطط تنظيم معارض مشتركة، وتبادل الخبرات البحثية، وبناء القدرات المؤسسية في قطاع المتاحف والتراث.
أكد وسيم قطب، مدير المجلس الثقافي البريطاني في قطر، أن إرث الأعوام الثقافية السابقة مهّد لهذه الشراكة، مشيراً إلى أن الاتفاقية تجسد التزام الطرفين بتعزيز التعاون العملي وتبادل المعرفة ودعم القطاع الإبداعي.
من المتوقع أن يتم الإعلان عن تفاصيل خطة العمل التنفيذية لمذكرة التفاهم في الأشهر القليلة القادمة. وستشمل الخطة تحديد المشاريع المشتركة، وتخصيص الموارد المالية، وتحديد المسؤوليات لكل طرف. يبقى أن نرى كيف ستترجم هذه الشراكة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وما إذا كانت ستساهم بالفعل في تحويل قطر إلى مركز إقليمي رائد في الصناعات الإبداعية. سيراقب المراقبون عن كثب التقدم المحرز في تنفيذ المذكرة، وتقييم أثرها على الفنانين والمبدعين القطريين.
