لم تعد صناعة السينما في السعودية مقتصرة على الإنتاج التقليدي، بل تشهد تحولاً شاملاً نحو بناء منظومة متكاملة ومستدامة. وفي خطوة تهدف إلى دعم هذا التحول، أطلقت هيئة الأفلام السعودية “مسرّعة الأعمال السينمائية”، وهي مبادرة تهدف إلى تمكين رواد الأعمال والمبدعين في جميع مجالات صناعة الأفلام، وتعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي للإنتاج المرئي.
جاء الإعلان عن المسرّعة في 20 يناير 2026، كجزء من جهود مستمرة لتطوير قطاع السينما السعودي، الذي شهد نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. وتسعى المسرّعة إلى سد الفجوة بين الموهبة والفرصة، وتوفير الدعم اللازم للفنانين الشباب لتحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والنجاح.
أهمية مسرّعة الأعمال السينمائية في تطوير الصناعة
وفقاً للباحث في الشأن الفني، رضوان الحسيني، فإن “المسرّعة” تمثل انتقالاً واضحاً في صناعة السينما، من مرحلة الاكتفاء بالإنتاج الرمزي إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة قائمة على التخصص والاستدامة. ويؤكد الحسيني أن هذه المبادرة لا تركز فقط على دعم الأفلام كمنتجات نهائية، بل تستثمر في المهن السينمائية الأساسية التي تشكل العمود الفقري لأي صناعة سينمائية ناضجة.
تكمن أهمية المسرّعة في أنها لا تقدم دعماً مالياً تقليدياً، بل توفر نموذجاً احترافياً يربط الإبداع بالاستدامة. فهي تمنح الفنانين الشباب فرصة حقيقية لتحويل مهاراتهم إلى مسارات مهنية قابلة للنمو، من خلال الإرشاد المهني، وفرص العرض على المستثمرين، وجلسات تطوير الأعمال.
دعم شامل لجميع التخصصات السينمائية
تهدف المسرّعة إلى دعم رواد الأعمال والمبدعين السعوديين في جميع مسارات العمل السينمائي، بدءاً من الإنتاج والتسويق، وصولاً إلى التصوير والخدمات اللوجستية. وتشمل هذه المبادرة توفير شبكة تواصل واسعة تربط الفنانين الشباب بصناع السينما حول العالم، مما يفتح أمامهم آفاق التعاون الدولي ونقل الخبرات.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى المسرّعة إلى تمكين المشاركين من بناء مهاراتهم الإدارية والفنية، وتطوير نماذج أعمال مستدامة تضمن الاستمرار والتوسع. ويأتي هذا في إطار رؤية الهيئة لتعزيز المحتوى المحلي وترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي لصناعة الأفلام والإنتاج المرئي.
محطات مفصلية في تطور السينما السعودية
شهد قطاع السينما في السعودية تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً برؤية 2030 التي أولت اهتماماً خاصاً بصناعة الأفلام. وقد ساهم فتح المعاهد المتخصصة في إعداد كوادر فنية مؤهلة، بينما عززت المملكة حضورها الثقافي باستضافة مهرجانات وفعاليات سينمائية دولية.
ومهرجان البحر الأحمر السينمائي يعتبر منصة دولية لعرض الأفلام وصناعة الشراكات. حتى الآن، تضم المملكة 66 دار سينما تحتوي على 618 شاشة عرض، مما ساهم في بناء سوق سينمائية نشطة. وبين عامي 2018 وأبريل 2024، حققت دور السينما في السعودية إيرادات بلغت 3.7 مليارات ريال (986.6 مليون دولار)، مع بيع أكثر من 61 مليون تذكرة.
وفي عام 2024، سجلت السينما السعودية إيرادات بلغت 845.6 مليون ريال (225.4 مليون دولار)، مما يعكس تصاعد الطلب واستقرار القطاع. كما تقرر في أبريل 2024 تخفيض المقابل المالي لتراخيص هيئة الأفلام، بهدف تحفيز الاستثمار وتسهيل دخول الشركات والأفراد إلى السوق السينمائية. بلغ إجمالي إيرادات شباك التذاكر خلال النصف الأول من 2025 نحو 448.1 مليون ريال، ببيع 9.1 ملايين تذكرة في مدن المملكة.
يأتي إطلاق مسرّعة الأعمال السينمائية امتداداً لهذه الإنجازات، بوصفها أداة عملية لتحويل النمو إلى فرص حقيقية للفنانين الشباب. فهي لا تصنع نجومًا فقط، بل تبني منظومة متكاملة تقف خلف كل فيلم ناجح، وتمنح العاملين في الظل موقعهم المستحق في صناعة تتشكل ملامحها بثبات.
من المتوقع أن تعلن هيئة الأفلام خلال الفترة المقبلة التفاصيل الكاملة للبرنامج، بما في ذلك شروط المشاركة وآليات التسجيل والجدول الزمني للورش والدعم. ويترقب العديد من الفنانين السعوديين هذه التفاصيل، باعتبارها بوابة جديدة للدخول إلى عالم السينما من أوسع أبوابه. وستكون متابعة تأثير هذه المسرّعة على تطوير الإنتاج السينمائي في المملكة، وقياس مدى نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة، من الأمور الهامة التي يجب مراقبتها في الفترة القادمة. كما أن نجاح هذه المبادرة قد يشجع دولاً أخرى في المنطقة على تبني نماذج مماثلة لدعم صناعة الأفلام وتنمية المحتوى المرئي.
