دشنت المملكة العربية السعودية مشروع “على خطاه”، مبادرة نوعية تهدف إلى إعادة تقديم السيرة النبوية بطريقة حديثة وتفاعلية، من خلال إحياء درب الهجرة النبوية بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. يمثل هذا المشروع خطوة مهمة في إثراء تجربة الزائر وتعزيز السياحة الدينية والثقافية في المملكة، مع التركيز على تقديم محتوى معرفي وتاريخي عميق.
جاء الإطلاق الرسمي للمشروع في احتفال بالمدينة المنورة يوم 16 فبراير، بحضور شخصيات بارزة مثل الأمير سلمان بن سلطان والأمير سعود بن مشعل ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه تركي آل الشيخ، بالإضافة إلى بلال أردوغان نجل الرئيس التركي. ويهدف المشروع إلى تتبع المسار التاريخي الذي سلكه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) في عام 622 ميلادية، مع إعادة توظيف الجغرافيا التاريخية في تجربة معاصرة.
إعادة إحياء درب الهجرة: مشروع ثقافي ومعرفي متكامل
يمتد درب الهجرة لمسافة 470 كيلومتراً، منها 305 كيلومترات مخصصة للمشي، مروراً بـ59 محطة تاريخية وإثرائية، مع توثيق 41 معلماً على طول الطريق. ويشمل المشروع خمسة مواقع رئيسية شهدت أحداثاً مفصلية في رحلة الهجرة، في محاولة لإعادة بناء المشهد التاريخي ضمن سياقه المكاني الأصلي. لا يقتصر المشروع على التوثيق التاريخي، بل يدمج تقنيات الواقع المعزز (AR) والعرض السردي البصري لإعادة تجسيد أحداث الهجرة في مواقعها الحقيقية.
أبعاد تاريخية وأهمية المشروع
يحاكي المشروع المسار الذي سلكه النبي (صلى الله عليه وسلم) لتجنب ملاحقة قريش، مروراً بمحطات تاريخية مثل عسفان وخيمتي أم معبد وموقع حادثة سراقة بن مالك. يعتمد المشروع على توثيق علمي دقيق يجمع بين الروايات التاريخية والتحقق الميداني للجغرافيا، لتقديم قراءة شاملة تتجاوز السرد التقليدي إلى التحليل التاريخي. وتتضمن المحطات لوحات تعريفية ومحتوى إرشادياً يشرح السياق السياسي والاجتماعي الذي أحاط بحدث الهجرة، بما في ذلك ظروف الاضطهاد في مكة وبدايات التأسيس في المدينة المنورة.
بالإضافة إلى ذلك، يهدف المشروع إلى فهم البعد الإنساني للهجرة، بوصفها رحلة تضحية وتخطيط وصبر، شكّلت نقطة تحول في مسار الدعوة الإسلامية. ويعيد بذلك ربط الزائر بالحدث من خلال التجربة لا الحكاية فقط. يمثل إحياء المسار قراءة معاصرة لحدث مفصلي لم يغيّر مجرى التاريخ الإسلامي فحسب، بل أسّس لمرحلة جديدة من التنظيم السياسي والاجتماعي في الجزيرة العربية.
أهداف استراتيجية وتوقعات مستقبلية
يركز المشروع على تحويل السيرة النبوية إلى تجربة تفاعلية متكاملة، تنقل الزائر من موقع المتلقي إلى موقع المعايشة. ويتحقق ذلك عبر مسارات مهيأة للمشي، وعناصر سرد بصري، وتقنيات حديثة تعيد تجسيد الأحداث في مواقعها الأصلية. وتشمل الأنشطة الميدانية تجربة ركوب الإبل، وورش عمل ثقافية، وزيارات ميدانية بإشراف مختصين في السيرة النبوية، مما يعكس سعياً لدمج البعد التعليمي بالبعد التجريبي.
وتستند الخطة التشغيلية إلى تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية على طول الدرب، بما يشمل نقاط استراحة، وإرشاداً رقمياً، وتنظيماً للزيارات الجماعية. تهدف المرحلة الأولى إلى استقبال مليون زائر، مع خطة لرفع العدد إلى خمسة ملايين زائر سنوياً بحلول عام 2030. يعكس هذا المشروع توجهاً استراتيجياً نحو الاستثمار في المواقع التاريخية بوصفها أصولاً ثقافية قابلة للتطوير، مع الحفاظ على قدسية الحدث وخصوصية المكان.
يعتبر المشروع أيضاً رافداً مهماً للسياحة الدينية والثقافية في المملكة، في إطار خطط تنويع الاقتصاد ورفع مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي. ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تنشيط الحركة السياحية بين منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويقدم تجربة فريدة للزوار المهتمين بالتاريخ والثقافة الإسلامية.
يتماشى المشروع مع مستهدفات “رؤية السعودية 2030″، في تطوير المنتجات السياحية النوعية، وجذب شرائح جديدة من الزوار. ويؤشر إلى انتقال إدارة المواقع الدينية من الإطار التقليدي إلى نموذج أكثر تفاعلاً وابتكاراً.
من المتوقع أن تشهد المرحلة القادمة تركيزاً على تطوير الخدمات اللوجستية على طول درب الهجرة، وتوسيع نطاق الأنشطة الثقافية والتعليمية المقدمة للزوار. كما سيتم العمل على تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتطوير المزيد من التجارب السياحية المبتكرة. يبقى من المبكر تحديد مدى تحقيق الأهداف الطموحة للمشروع، إلا أنه يمثل خطوة واعدة نحو تعزيز مكانة المملكة العربية السعودية كمركز عالمي للسياحة الدينية والثقافية.
