خيم الحزن على الأوساط الأدبية والثقافية في السعودية والعالم العربي، برحيل الأديب والناقد البارز سعيد السريحي، الذي وافته المنية يوم الأربعاء عن عمر يناهز 73 عاماً بعد صراع مع المرض. يُعدّ السريحي من أهم الأصوات التي ساهمت في إثراء النقد الأدبي الحديث في المملكة، تاركاً إرثاً فكرياً غنياً سيظل علامة فارقة في المشهد الثقافي.
أعلنت وزارة الإعلام عن وفاة السريحي، معربة عن أسفها العميق لفقدان هذه القامة الأدبية. وأشاد وزير الإعلام، سلمان الدوسري، بالراحل، مؤكداً أنه كان من الأصوات التي آمنت بأن الكلمة مسؤولية، وأن النقد يجب أن يكون بناءً لا هدّاماً. وقد لقي خبر الوفاة تفاعلاً واسعاً من المثقفين والكتاب الذين نعوا الراحل وأشادوا بمساهماته الجليلة.
رحلة سعيد السريحي في عالم الأدب والنقد
ينحدر سعيد السريحي من مدينة جدة، حيث تلقى تعليمه العام قبل أن يكمل دراسته الجامعية والعليا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، متخصصاً في اللغة العربية. بدأ مسيرته المهنية في الصحافة، وعمل في عدة مناصب قيادية، بما في ذلك النائب المكلف لرئيس تحرير صحيفة “عكاظ”.
اشتهر السريحي بزاويته اليومية “ولكم الرأي” في صحيفة “عكاظ”، والتي كانت منصة للحوار والنقاش الثقافي المستمر. من خلال هذه الزاوية، قدم تحليلات نقدية عميقة لمجموعة واسعة من القضايا الأدبية والفكرية، مما جعله شخصية مؤثرة في الأوساط الثقافية.
مساهمات بارزة في الخطاب النقدي
تميز النقد الأدبي لسعيد السريحي بالجرأة ومساءلة المسلمات الفكرية، حيث سعى إلى تحفيز التفكير النقدي وتشجيع التجديد في الأدب والفكر العربي. كان مدافعاً عن حق الأدب في التجريب وحرية النقد في التحليل والتفكيك، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
ركز السريحي في أعماله على قضايا الهوية والتحولات الثقافية في المجتمعات العربية، وقدم قراءات متعددة لعيون الشعر والرواية، سواء كانت سعودية أو عربية أو عالمية. كما شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الثقافية، حيث قدم أفكاره ورؤاه حول قضايا الحداثة والتغيير.
إرث أدبي وفكري
ترك سعيد السريحي وراءه إرثاً أدبياً وفكرياً غنياً، يتضمن العديد من المؤلفات البارزة. من بين هذه المؤلفات: “شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد”، و”غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم”، و”الكتابة خارج الأقواس: دراسات في الشعر والسرد”، و”تقليب الحطب على النار: دراسات في السرد”. تُعدّ هذه المؤلفات مرجعاً هاماً للباحثين والدارسين في مجال الأدب العربي.
بالإضافة إلى ذلك، ساهم السريحي في تطوير الخطاب الثقافي في السعودية، من خلال تشجيعه على الحوار المفتوح والانفتاح على الآخر. كان يؤمن بأهمية التجديد والتحديث في الأدب والفكر، ويدعو إلى مواجهة التحديات التي تواجه المجتمعات العربية.
تأتي وفاة السريحي في وقت تشهد فيه الساحة الثقافية السعودية تحولات كبيرة، مما يجعل إرثه الفكري أكثر أهمية. من المتوقع أن يستمر تأثيره في إلهام الأجيال القادمة من الأدباء والنقاد، وأن تظل أعماله مرجعاً أساسياً للبحث والدراسة. وستبقى ذكراه حية في قلوب محبيه وتقديره.
من المنتظر أن تنظم وزارة الإعلام وعدد من المؤسسات الثقافية فعاليات لتأبين الراحل وتكريماً لمسيرته الأدبية. كما يتوقع أن يشهد إصدارات جديدة لأعماله الكاملة، بالإضافة إلى دراسات نقدية حول فكره ومنهجه. وستظل أعماله قيد البحث والتحليل لفهم أعمق لمساهماته في إثراء الثقافة العربية.
