تتقدم دبي بخطوات واسعة نحو تعزيز نفوذها اللوجستي في آسيا، وذلك من خلال شراكات استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل حركة العبور الإقليمية. وفي هذا الإطار، يأتي الاتفاق الجديد مع أفغانستان لتعزيز حضورها في واحدة من أهم نقاط العبور بين وسط وجنوب آسيا، في وقت تسعى فيه كابول إلى تحديث بواباتها البرية وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد. يركز هذا الاتفاق على الترانزيت وتحديث البنية التحتية للموانئ والمعابر، مما يمثل خطوة محورية في تطوير التجارة الإقليمية.
أعلنت وكالة الأنباء الإماراتية “وام” في 7 ديسمبر 2025، عن توقيع مجموعة موانئ دبي العالمية اتفاقية تاريخية مع الحكومة الأفغانية لتطوير وتشغيل معبري “تورخام” و”هيراتان”، وهما من أهم بوابات العبور البرية في البلاد. يهدف هذا التعاون إلى تحديث شامل ورقمنة العمليات في المعابر، مما يعزز كفاءتها ويقلل من زمن العبور.
شراكة استراتيجية لتطوير الترانزيت في أفغانستان
يمثل الاتفاق بين موانئ دبي العالمية وكابول نقطة تحول في إدارة المعابر البرية التي عانت لفترة طويلة من ضعف البنية التشغيلية. تأتي هذه الخطوة في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، مما يعزز موقع أفغانستان كممر تجاري استراتيجي يربط بين وسط وجنوب آسيا. وبموجب الاتفاق، ستقوم “دي بي ورلد” بإجراء دراسة جدوى فنية ومالية شاملة قبل استكمال الامتياز، على أن يشمل المشروع تحديثات كاملة للبنية التحتية، وإدخال أنظمة متطورة لمناولة البضائع، بالإضافة إلى رقمنة الإجراءات الحدودية لرفع مستوى الكفاءة والأمان والسرعة.
وقد مثّل نائب الوزير في إدارة الإيرادات والجمارك الحاج مفتي عبد المتين سعيد الجانب الأفغاني في التوقيع، بينما وقّع من جانب المجموعة نائب الرئيس التنفيذي ناصر النيادي. وأكد رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية سلطان أحمد بن سليّم أن “ممرات التجارة الفعّالة عنصر جوهري في تعزيز المرونة الاقتصادية”، مشيراً إلى أن الموقع الفريد لأفغانستان يتيح لها بناء روابط أقوى مع جيرانها.
الأثر على التجارة الإقليمية
يرفع هذا المشروع الطاقة الاستيعابية للمعابر، ويحسن سرعة مناولة البضائع، ويربط أفغانستان بممرات أكثر موثوقية. وفقاً لبيان “دي بي ورلد”، سيمنح المشروع أولوية للتوظيف المحلي وتنمية المهارات داخل أفغانستان، مع استمرار الحكومة في تقديم الخدمات السيادية مثل الجمارك والهجرة والأمن والرقابة التنظيمية، مما يضمن عمليات أكثر سلاسة وموثوقية بالتعاون مع المجموعة. من المتوقع أن يساهم هذا في جذب الاستثمارات داخل أفغانستان، حيث يبحث السوق عن ممرات بديلة فعالة.
يشير الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي إلى أن دخول موانئ دبي العالمية إلى معبري “تورخام” و”هيراتان” يمثل إعادة رسم لخارطة النفوذ اللوجستي الإماراتي في قلب آسيا. “تورخام” هو صمام التجارة مع باكستان وأسرع طريق تاريخياً إلى البحر، بينما “هيراتان” بوابة الشمال التي تربط أفغانستان بالسكك الأوزبكية وتفتح خطاً مباشراً نحو آسيا الوسطى. ويرى الشوبكي أن موانئ دبي قادرة على تحويل المعابر إلى ممرات أكثر كفاءة من خلال تحديث البنية التحتية وتطبيق مناولة متقدمة ورقمنة العمليات الحدودية.
ويضيف الشوبكي أن موانئ دبي ليست مجرد مشغل رصيف، بل شبكة تشغيل عالمية تمتلك قدرات تشغيلية ومالية وتقنية هائلة. نجاح المعابر البرية يعتمد على إدارة سلسلة الإمداد الكاملة، مما يقلل التأخير والفساد ويرفع مستوى اليقين لدى المستثمرين. كما يؤكد أن الإمارات عبر موانئ دبي تصنع نفوذاً اقتصادياً جديداً، محولة نقاط الحدود من عبء سياسي وأمني إلى أصل اقتصادي.
تحديث شامل للبنية التحتية
يمثل الاتفاق الجديد خطوة مكملة لمسار تطوير المعابر البرية، ويتجاوزها نحو تحديث شامل للبنية اللوجستية الأفغانية وربطها بمعايير تشغيل عالمية. تهدف مذكرة الشروط الاستثمارية إلى تزويد الموانئ التجارية في أفغانستان بتقنيات حديثة وأنظمة تشغيل متقدمة. أكد مدير مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، مفتي عبد الله أعظم، أن الاتفاق يمهّد لبناء إطار تعاقدي أوسع يجذب استثمارات أجنبية إضافية، ويضع الموانئ الأفغانية على مسار تحديث مستدام يعتمد على أنظمة تشغيل وإدارة تواكب الممارسات الدولية.
وتشير الخطة إلى أن المراحل اللاحقة ستتوسع لتشمل ممرات لوجستية إضافية، ومناطق اقتصادية، ومشاريع وطنية ترتبط بشكل مباشر بزيادة كفاءة التجارة وتسريع حركة البضائع. وتكمن أهمية هذه المنافذ في قدرتها على دعم اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على سلاسل الإمداد العابرة للحدود، وتخفيف كلفة النقل، وتعزيز اندماج أفغانستان في شبكات التجارة الإقليمية.
من المتوقع أن تبدأ دراسة الجدوى الفنية والمالية في الربع الأول من عام 2026، على أن يتم استكمال الامتياز خلال الربع الثالث من نفس العام. يبقى من الضروري مراقبة التطورات السياسية والأمنية في أفغانستان، والتي قد تؤثر على تنفيذ المشروع. كما يجب متابعة مدى التزام جميع الأطراف بتنفيذ بنود الاتفاقية، وتحقيق الأهداف المرجوة من تطوير الترانزيت في أفغانستان.
