تشهد الشركات والبنوك السعودية زخمًا متزايدًا في أسواق الدين العالمية مع بداية عام 2026، مدفوعةً بنوافذ تمويل مواتية وثقة متنامية من المستثمرين الدوليين. وتتصدر الصكوك الدولارية المشهد كأداة تمويل مرنة وفعالة لدعم خطط التوسع وتعزيز الهياكل الرأسمالية للشركات السعودية، حيث بلغ إجمالي قيمة الإصدارات خلال الأيام الأولى من العام الحالي نحو 5.5 مليار دولار.
هذا النشاط المتسارع يعكس حاجة متزايدة لدى الكيانات الكبرى في المملكة إلى تنويع مصادر التمويل بعيدًا عن القنوات التقليدية، في ظل توسع الاستثمارات وارتفاع تكلفة المشاريع، وتنامي الحضور الإقليمي والدولي للشركات المدرجة في السوق المالية السعودية.
موجة إصدارات الصكوك الدولارية
شكلت إصدارات كل من شركة الاتصالات السعودية (stc) وبنك البلاد والبنك الأهلي السعودي أحدث حلقات هذا النشاط. فقد طرحت “stc” صكوكًا بقيمة ملياري دولار موزعة على شريحتين، الأولى بقيمة 750 مليون دولار لأجل خمس سنوات بعائد سنوي بلغ 4.489%، والثانية بقيمة 1.25 مليار دولار لأجل عشر سنوات وبعائد سنوي نسبته 5.083%.
في المقابل، أنهى بنك البلاد طرحًا خاصًا لصكوك رأسمال إضافي من الشريحة الأولى (AT1) مقومة بالدولار بقيمة 500 مليون دولار، بعائد سنوي بلغ 6.375%. كما جمع البنك الأهلي السعودي مليار دولار من إصدار 5000 سند رأسمال من الشريحة الأولى مقومة بالدولار، بعائد سنوي بلغ 6.15%.
سبقت هذه الإصدارات قيام كل من مصرف الراجحي وبنك الرياض بإصدارين منفصلين بقيمة مليار دولار لكل منهما. وتتجه شركة “سال” إلى طرح صكوك مقومة بالريال السعودي، فيما بدأت “كهرباء السعودية” إجراءات طرح صكوك دولارية، مما يعكس تنوع أدوات التمويل وتكيّفها مع احتياجات كل قطاع.
أسباب الإقبال على إصدار الصكوك
يعود هذا الإقبال المتزايد على إصدار الصكوك الدولارية إلى عدة عوامل رئيسية. تشير المحللة الاقتصادية حنين ياسين إلى أن وفرة السيولة العالمية الموجهة إلى أدوات الدخل الثابت، ولا سيما الصكوك التي تتمتع بتصنيفات ائتمانية قوية واقتصاد بحجم الاقتصاد السعودي، تلعب دورًا هامًا.
وتضيف ياسين أن الصكوك الدولارية تتيح للمصدرين السعوديين الوصول إلى شريحة أوسع من المستثمرين الدوليين، مثل الصناديق السيادية وصناديق التقاعد ومديري الأصول العالميين، الذين يفضلون الاستثمار بالدولار لما يوفره من استقرار وسهولة تسعير وإدارة المخاطر.
بالإضافة إلى ذلك، فإن اتساع خطط التوسع الرأسمالي وارتفاع تكلفة المشاريع الاستراتيجية يدفع الشركات والبنوك إلى البحث عن تمويل طويل الأجل ومرن. كما أن الثقة المتزايدة بالسوق السعودية، مدعومة ببرامج التحول الاقتصادي واستقرار السياسات المالية والنقدية، قد ساهمت في تحسين شروط التسعير.
تأثير إصدارات الصكوك على السوق السعودية
يعكس هذا التوجه نضج السوق المالية السعودية وانتقال الشركات من مرحلة التمويل المحلي إلى إدارة نشطة لهياكل رأس المال على مستوى دولي. وتشير البيانات إلى أن الشركات السعودية أنهت عام 2025 بإجمالي إصدارات دين بلغت حوالي 31 مليار دولار، منها 27 مليار دولار خارجية.
وشهد العام الماضي قفزة في إصدارات البنوك السعودية من أدوات الدين، حيث بلغت قيمة السندات والصكوك المقومة بالريال والدولار نحو 16.56 مليار دولار، موزعة على 22 إصدارًا. هذا يعزز حضور المملكة في أسواق الدين العالمية، ويرسخ موقعها كأحد أبرز مراكز إصدار الصكوك في العالم.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تواجه إصدارات الدين السعودية، مثل تقلبات أسعار الفائدة العالمية والمخاطر الجيوسياسية. وتشير التوقعات إلى استمرار هذا الاتجاه في عام 2026، مع توقعات بإصدار المزيد من الصكوك الدولارية من قبل الشركات والبنوك السعودية، خاصة مع استمرار برامج التحول الاقتصادي وتوسع الاستثمارات في القطاعات المختلفة. ومن المتوقع أن تشهد الأشهر القليلة القادمة المزيد من الإعلانات حول إصدارات جديدة، مع التركيز على تنويع الآجال والهياكل التمويلية لتلبية احتياجات السوق المتغيرة.
