تشهد الجامعات السعودية تحولاً استراتيجياً كبيراً، حيث لم تعد مقتصرة على الدور التقليدي في التعليم والبحث الأكاديمي، بل أصبحت محركاً رئيسياً للابتكار في المجالات الدفاعية. هذا التحول يعزز قدرة المملكة العربية السعودية على توطين التقنيات العسكرية وتطوير حلول متقدمة لدعم الأمن القومي، وهو جزء لا يتجزأ من مسار تحقيق أهداف “رؤية 2030” الطموحة.
تأتي هذه الخطوة في ظل سعي المملكة لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط، مع التركيز على تطوير قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، مثل الصناعات الدفاعية. وتشير الخطط الحكومية إلى أن الاستثمار في البحث العلمي الدفاعي لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح أداة اقتصادية فعالة تساهم في تعزيز ريادة المملكة في هذا المجال.
تعزيز توطين التقنيات العسكرية: استراتيجية محورية
أكد عبد الله أبا الخيل، مدير التواصل المؤسسي في الهيئة العامة للتطوير الدفاعي، أن الهيئة تستهدف توجيه 30% من أبحاث الجامعات السعودية لخدمة القطاع الدفاعي خلال المرحلة القادمة. يهدف هذا التوجه إلى تسريع عملية توطين التقنيات العسكرية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مما يعزز الاكتفاء الذاتي ويعزز مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.
وبحسب تصريحات أبا الخيل لصحيفة “الاقتصادية”، فإن كل ريال يتم إنفاقه في مجال التطوير الدفاعي يعود على الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6 ريالات، مما يبرز الأثر الاقتصادي الكبير للاستثمار في هذا القطاع الحيوي. ويعكس هذا العائد المرتفع القيمة المضافة التي تحققها الصناعات الدفاعية من خلال خلق فرص عمل جديدة ونقل المعرفة وتطوير القدرات المحلية.
دعم الباحثين وتعزيز الشراكات
تعمل الهيئة العامة للتطوير الدفاعي حالياً مع حوالي ألف باحث في المجال الدفاعي، وتدعم بشكل مباشر قرابة 90 باحثاً من خلال الدعم المالي وتوفير مرشدين صناعيين. يهدف هذا الدعم إلى تحويل الأبحاث من مرحلة النظرية إلى التطبيق العملي، وتسريع عملية تطوير المنتجات والحلول الدفاعية المبتكرة.
بالإضافة إلى ذلك، تسعى المملكة إلى إقامة شراكات استراتيجية مع جهات متخصصة عالمية لتنمية قطاعاتها الدفاعية. وقعت الهيئة عدداً من مذكرات التفاهم والاتفاقيات، وتخطط لتوقيع 10 مذكرات تفاهم واتفاقيات دولية ومحلية إضافية خلال الفترة القادمة، بما في ذلك اتفاقيات مع وكالة الابتكار الدفاعي الكورية والهيئة العامة للصناعات العسكرية وجامعة الملك عبد العزيز.
الاستثمار العسكري والميزانية الضخمة
تُعدّ المملكة العربية السعودية من أكبر مستوردي الأسلحة في منطقة الشرق الأوسط، وفقاً لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) لعام 2024. هذا الأمر يدفع الشركات العالمية المتخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية إلى التعاون مع المملكة وتلبية احتياجاتها المتزايدة.
يُخصص القطاع العسكري في السعودية الجزء الأكبر من ميزانية المملكة لعام 2025، حيث تبلغ قيمة الإنفاق التقديرية حوالي 72 مليار دولار. وتسعى المملكة إلى زيادة مساهمة الصناعات الدفاعية السعودية في الناتج المحلي الإجمالي إلى قرابة 25 مليار دولار بحلول عام 2030، وذلك من خلال توطين التقنيات وتطوير القدرات المحلية.
قفزات في قطاع الصناعات العسكرية
أكد محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية، أحمد العوهلي، أن نسبة توطين الإنفاق العسكري وصلت إلى 19.35% مقارنة بـ 4% في عام 2018. كما ارتفع عدد المنشآت المُصرَّحة والمرخصة في قطاع الصناعات العسكرية إلى 296 منشأة، مما يعكس النمو المتسارع الذي يشهده هذا القطاع.
وتعمل الهيئة على تطوير سلاسل الإمداد في قطاع الصناعات العسكرية، وتعزيز المشتريات العسكرية من الشركات المحلية بقيمة 13 مليار ريال (3.46 مليارات دولار). تهدف هذه الإجراءات إلى دعم الشركات المحلية وتشجيعها على الاستثمار في البحث والتطوير وتوسيع نطاق عملياتها.
رؤية 2030: نحو اقتصاد متنوع
تعتبر رؤية 2030 حجر الزاوية في جهود المملكة لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على عائدات قطاع الطاقة. وقد ساهمت هذه الاستراتيجية في خلق آلاف الوظائف التي تتطلب مهارات عالية، وكان لقطاع الصناعة العسكرية دور بارز في هذه العملية.
تعتمد استراتيجية قطاع الصناعات العسكرية في المملكة على ثلاث ركائز رئيسية: المشتريات العسكرية، والصناعات العسكرية، وتطوير التقنيات العسكرية. تهدف هذه الركائز إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعات الدفاعية، وبناء قاعدة تقنية وطنية متينة، وتعزيز القدرة التنافسية للمملكة في السوق العالمية.
الخبير الاقتصادي د. نمر أبو كف يرى أن التحول الذي تشهده الجامعات السعودية هو امتداد طبيعي لمسار “رؤية 2030″، وأن توجيه 30% من أبحاث الجامعات لخدمة القطاع الدفاعي يعكس انتقالاً من التعليم النظري إلى توظيف المعرفة وتوفير فرص للشباب السعودي. ويؤكد أبو كف أن دمج البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية للصناعات العسكرية يمنح المملكة فرصة لبناء قاعدة تقنية وطنية قوية.
من المتوقع أن تشهد المملكة العربية السعودية المزيد من الاستثمارات في قطاع الصناعات الدفاعية خلال السنوات القادمة، مع التركيز على توطين التقنيات وتطوير القدرات المحلية. وستظل الشراكات مع الشركات العالمية والمؤسسات البحثية المرموقة عنصراً أساسياً في هذه الجهود. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تواجه المملكة، مثل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتوفير الكفاءات المؤهلة، وهو ما يتطلب استمراراً في الاستثمار والتعاون.
