كشفت سلطنة عُمان عن استراتيجية جديدة لتعزيز احتياطياتها من الذهب، وذلك من خلال الحصول على امتيازات إنتاج في مناجم قائمة في دول صديقة، بدلاً من الاعتماد على الشراء المباشر من الأسواق العالمية. يأتي هذا الإعلان من رئيس جهاز الاستثمار العُماني، عبدالسلام المرشدي، في ظل ارتفاع أسعار الذهب بشكل ملحوظ، مما يجعل بناء الاحتياطي عن طريق الشراء مكلفاً للغاية. تهدف هذه الخطوة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل التكاليف المرتبطة بتأمين هذا المعدن الثمين.
أوضح المرشدي في مقابلة مع إذاعة “الوصال” أن بعض الدول التي تربطها بعُمان علاقات قوية قد منحتها بالفعل حقوق امتياز في مناجم ذهب منتجة. هذا التوجه يقلل بشكل كبير من المخاطر والتكاليف المرتبطة بعمليات الاستكشاف والتنقيب عن الذهب، والتي تتطلب استثمارات ضخمة ووقتًا طويلاً. وتعتبر هذه الخطوة جزءًا من رؤية أوسع لتنويع مصادر الدخل الوطني وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
استراتيجية عُمان لزيادة احتياطيات الذهب
تأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه سوق الذهب تقلبات كبيرة، مدفوعة بعوامل جيوسياسية واقتصادية عالمية. فقد ارتفعت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية في الآونة الأخيرة، مما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها المتعلقة بالاحتياطيات النقدية. وبحسب بيانات موقع “تريدينغ إيكونوميكس”، بلغ إجمالي احتياطي سلطنة عُمان من الذهب 6.73 أطنان في الربع الأول من عام 2025.
التعاون الدولي كمحرك للنمو
يركز النهج العُماني على الاستفادة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية القائمة مع الدول الغنية بالذهب. بدلاً من الدخول في منافسة شرسة على شراء الذهب في الأسواق، تسعى عُمان إلى شراكات طويلة الأجل تضمن لها إمدادات مستقرة وبأسعار معقولة. هذا النموذج يعكس تحولاً نحو الدبلوماسية الاقتصادية كأداة لتعزيز المصالح الوطنية.
بالإضافة إلى الذهب، تشير التقارير إلى أن عُمان مهتمة أيضًا بتنويع استثماراتها في المعادن الأخرى، مثل النحاس والفضة. يهدف هذا التنويع إلى تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. وتعتبر الاستثمارات في قطاع التعدين جزءًا من خطة “رؤية عُمان 2040” الطموحة.
من الجدير بالذكر أن هذه الاستراتيجية تتوافق مع الاتجاه العالمي المتزايد نحو إعادة الذهب إلى دور مركزي في الأنظمة النقدية الدولية. فقد شهدت السنوات الأخيرة زيادة في عمليات شراء الذهب من قبل البنوك المركزية في مختلف أنحاء العالم، مما يعكس قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل الدولار الأمريكي والعملات الورقية الأخرى. وتعتبر المعادن الثمينة ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية.
تعتبر عمليات التنقيب عن الذهب في عُمان نفسها محدودة، حيث لا تزال البلاد في مراحل مبكرة من استكشاف إمكاناتها المعدنية. لذلك، فإن التركيز على الحصول على امتيازات إنتاج في الخارج يمثل حلاً عملياً وفعالاً لتعزيز احتياطيات الذهب على المدى القصير والمتوسط. ومع ذلك، لا يزال هناك اهتمام بتطوير قطاع التعدين المحلي، من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية وتوفير الحوافز اللازمة للشركات المتخصصة.
تأثير هذه الخطوة على الاقتصاد العُماني قد يكون كبيراً، حيث يمكن أن تساهم في تعزيز الاستقرار المالي وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف. كما يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة في قطاع التعدين والصناعات المرتبطة به. بالإضافة إلى ذلك، فإن زيادة احتياطيات الذهب يمكن أن تعزز الثقة في الاقتصاد العُماني وتشجع الاستثمار الأجنبي المباشر. وتعتبر الاستثمارات السيادية مثل جهاز الاستثمار العُماني من اللاعبين الرئيسيين في تنفيذ هذه الاستراتيجيات.
في سياق متصل، تشهد أسعار المعادن بشكل عام ارتفاعًا ملحوظًا، مدفوعة بالطلب المتزايد من الأسواق الناشئة، مثل الصين والهند. هذا الارتفاع في الأسعار يجعل الاستثمار في قطاع التعدين أكثر جاذبية، ويشجع الشركات على زيادة إنتاجها. وتشير التوقعات إلى أن أسعار الذهب ستستمر في الارتفاع على المدى الطويل، مما يجعل استراتيجية عُمان في محلها.
من المتوقع أن يعلن جهاز الاستثمار العُماني عن تفاصيل إضافية حول اتفاقيات الامتياز التي تم التوصل إليها مع الدول الأخرى في الأشهر القادمة. كما من المتوقع أن يتم تخصيص جزء من الاحتياطيات الجديدة من الذهب لتعزيز قدرة البنك المركزي العُماني على التدخل في سوق الصرف الأجنبي. ومع ذلك، لا تزال هناك بعض المخاطر والتحديات المرتبطة بهذه الاستراتيجية، مثل التقلبات السياسية في الدول التي يتم الحصول على الامتيازات منها، والتغيرات في أسعار الذهب العالمية. يتعين على عُمان مراقبة هذه العوامل عن كثب واتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من آثارها السلبية.
