تشهد سلطنة عُمان تحولاً لوجستياً متسارعاً، حيث تبرز الموانئ العُمانية كرافعة اقتصادية رئيسية. وتساهم هذه الموانئ بشكل متزايد في حركة التجارة، وجذب الاستثمارات، وربط السلطنة بسلاسل الإمداد العالمية والإقليمية. وتكشف المؤشرات عن نمو ملحوظ في الأداء والاستثمار خلال عام 2025، مما يعزز دور الموانئ في تنويع مصادر الدخل وتعزيز مكانة عُمان في قطاع النقل البحري الدولي.
أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات في 12 يناير 2026 نمواً قوياً في قطاع الموانئ. وبلغت إيرادات القطاع زيادة بنسبة 17.4% خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق. ويعكس هذا النمو تحسناً في الكفاءة التشغيلية وزيادة الطلب على الخدمات المينائية، بالإضافة إلى الاستثمارات المستمرة في تطوير البنية التحتية.
زخم النمو في قطاع الموانئ العُمانية
يعزى هذا الزخم إلى عدة عوامل، منها اتفاقيات الامتياز الجديدة، والتوسعات التشغيلية في الموانئ المختلفة، والارتفاع الملحوظ في أحجام المناولة. ووفقاً لوكالة الأنباء العُمانية، تجاوز حجم البضائع التي تعاملتها الموانئ العُمانية خلال عام 2025 حاجز 143 مليون طن، مقارنة بنحو 137 مليون طن في عام 2024.
كما شهد عدد الحاويات المناولة قفزة كبيرة، حيث ارتفع إلى أكثر من 5.1 مليون حاوية نمطية، مقابل 4.2 مليون حاوية في العام الذي سبقه. ويعكس هذا التوسع النشاط التجاري واللوجستي المتزايد في السلطنة. بالإضافة إلى ذلك، استقبلت الموانئ العُمانية أكثر من 60 سفينة سياحية خلال عام 2025، وعلى متنها حوالي 200 ألف مسافر، مما يؤكد الدور المتنامي للموانئ في دعم قطاع السياحة البحرية.
أداء الموانئ الرئيسية
شهد ميناء شناص طفرة ملحوظة في الأداء، حيث ارتفع حجم المناولة بنسبة 689.3% خلال عام 2025. ويعزى هذا النمو إلى اتفاقيات استثمارية جديدة ساهمت في رفع الطاقة التشغيلية وتحسين جودة الخدمات المقدمة. كما حقق ميناء صلالة نمواً بنسبة 16.7% في مناولة البضائع العامة، مما عزز مكانته كمحطة رئيسية على خطوط الملاحة الدولية.
وشهد ميناء شناص توقيع اتفاقية لإنشاء مصفاة للوقود البحري منخفض الكبريت، بالإضافة إلى إنشاء خزانات لتخزين الأسفلت بطاقة تخزينية تبلغ 30 ألف طن سنوياً. كما تم الإعلان عن إطلاق خط عبارات بحري يربط بين ميناء شناص وميناء بندر عباس، بهدف تعزيز التكامل الملاحي والتجاري عبر مضيق هرمز.
أشارت وزارة النقل إلى أن الاستثمارات اللوجستية الإجمالية في إطار الخطة الخمسية العاشرة (2021–2025) بلغت حوالي 3.4 مليارات ريال عُماني (حوالي 8.8 مليارات دولار). وقد ساهمت هذه الاستثمارات في رفع الكفاءة التشغيلية والإنتاجية في قطاع الموانئ.
وتعتبر البنية التحتية المتطورة في الموانئ العُمانية، بما في ذلك المعدات الحديثة وأنظمة إدارة الموانئ المتكاملة، من العوامل الرئيسية التي ساهمت في جذب الشركات العالمية وتعزيز القدرة التنافسية للسلطنة كمركز لوجستي إقليمي.
الموانئ العُمانية كبوابة لوجستية إقليمية
يرى الدكتور عبد الرحيم الهور، الخبير الاقتصادي، أن تحول الموانئ العُمانية إلى أدوات استراتيجية في الاقتصاد لم يكن صدفة، بل نتيجة رؤية طويلة المدى. وقد استثمرت السلطنة في موقعها الجغرافي المتميز وطورت البنية التحتية وربطت الموانئ بالسياسات الصناعية والتجارية للدولة.
وأضاف الهور أن أهمية هذا التحول تزداد مع تبني مفهوم العمل التكاملي داخل القطاع اللوجستي إقليمياً. ويساهم توزيع الخدمات وتخصص الموانئ بين دول المنطقة في تقليل المنافسة غير الصحية وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي. وتعتبر الموانئ العُمانية جزءاً لا يتجزأ من هذه الشبكة الإقليمية المتكاملة.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة، تبرز الموانئ العُمانية كخيار آمن وموثوق للشركات العالمية. ويوفر موقع السلطنة خارج مضيق هرمز مساراً بديلاً لحركة التجارة، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالعبور عبر الممرات المائية الحيوية.
من المتوقع أن تستمر الموانئ العُمانية في النمو والتطور في السنوات القادمة، مع استمرار الاستثمارات في تطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات اللوجستية. وستظل السلطنة ملتزمة بتعزيز دورها كمركز لوجستي إقليمي وعالمي، وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، ودعم النمو الاقتصادي المستدام. وتشير التوقعات إلى أن الحكومة العُمانية ستواصل جهودها لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، مع التركيز على تطوير القطاع اللوجستي وتعزيز مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
