منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، أصبح برنامج التخصيص أحد أهم محركات التحول الاقتصادي في المملكة. يهدف البرنامج إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط، وذلك من خلال نقل ملكية الأصول الحكومية وإقامة شراكات استراتيجية.
ويشكل برنامج التخصيص، الذي بات في مراحله النهائية، ركيزة أساسية في تحقيق أهداف رؤية 2030، حيث يساهم في رفع كفاءة الإنفاق العام، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية إلى قطاعات حيوية.
أهمية برنامج التخصيص في رؤية السعودية 2030
يأتي برنامج التخصيص كأحد البرامج التنفيذية الرئيسية لرؤية السعودية 2030، وهو مبني على مبدأ إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. لا يقتصر الأمر على مجرد بيع الأصول الحكومية، بل يهدف إلى خلق أسواق أكثر تنافسية وتشجيع الابتكار، مع الحفاظ على الدور التنظيمي للدولة وضمان استدامة الخدمات الأساسية.
يعتمد البرنامج على مزيج من نقل ملكية الأصول الحكومية إلى القطاع الخاص، بالإضافة إلى نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP). تتيح هذه النماذج للقطاع الخاص الاستثمار والتشغيل في قطاعات مختلفة، بينما تحتفظ الدولة بملكية الأصول وتضع الأطر التنظيمية اللازمة.
أرقام وإحصائيات حول التقدم المحرز
أعلن وزير المالية محمد الجدعان أن إيرادات عمليات نقل ملكية الأصول ومشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص قد وصلت إلى نحو 60 مليار ريال سعودي (16 مليار دولار) بحلول منتصف ديسمبر 2025. وتجاوز إجمالي الاستثمارات في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص 185 مليار ريال سعودي (49 مليار دولار)، مع توقيع حوالي 70 عقدًا في قطاعات استراتيجية مثل المياه والصحة والتعليم والنقل والإسكان.
وتصنف محفظة مشاريع التخصيص والشراكة في المملكة ضمن الأكبر على مستوى العالم، سواء من حيث حجم المشاريع أو تنوع القطاعات المستهدفة. ويعمل المركز الوطني للتخصيص حاليًا على إعداد وطرح أكثر من 200 مشروع تخصيص وشراكة في 17 قطاعًا، بقيمة استثمارية تتجاوز 800 مليار ريال سعودي (213 مليار دولار).
نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص
أصبحت الشراكات بين القطاعين العام والخاص النموذج الأكثر شيوعًا في تنفيذ برنامج التخصيص. توفر هذه الشراكات توازنًا بين الحفاظ على الأصول الاستراتيجية للدولة وتمكين القطاع الخاص من الاستثمار والتشغيل بكفاءة.
وتساهم هذه الشراكات في تقليل المخاطر على الدولة، وتحفيز الكفاءة التشغيلية، وضمان جودة الخدمات المقدمة. كما أنها تخلق فرصًا جديدة للقطاع الخاص للمشاركة في التنمية الاقتصادية، وتساهم في خلق وظائف جديدة.
وتشمل المشاريع الحالية والطموحة مطارات في مناطق مختلفة من المملكة، وطرقًا رئيسية، ومشروع قطار القدية السريع، ومدنًا رياضية، ومراكز لوجستية، ومشاريع عقارية. هذا التنوع يعكس اتساع نطاق برنامج التخصيص ليشمل مختلف جوانب البنية التحتية والخدمات العامة.
التحول في دور الدولة
يرى الخبراء الاقتصاديون أن برنامج التخصيص يمثل تحولًا جذريًا في دور الدولة في الاقتصاد السعودي. فبدلاً من أن تكون الدولة طرفًا مباشرًا في التشغيل والاستثمار، أصبحت تلعب دورًا أكثر تنظيمًا وتوجيهيًا، حيث تركز على وضع الأطر والقواعد التي تحكم عمل القطاع الخاص.
ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تسعير المخاطر داخل الاقتصاد، حيث يتحمل القطاع الخاص المخاطر التشغيلية والتمويلية، بينما تحتفظ الدولة بالدور السيادي والتنظيمي. كما يساهم في تخفيف الضغط على المالية العامة، دون الحاجة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي.
الاستراتيجية الوطنية للتخصيص والتوقعات المستقبلية
أكد وزير المالية أن الاستراتيجية الوطنية للتخصيص وصلت إلى مراحلها النهائية قبل الاعتماد الرسمي. وتشمل هذه الاستراتيجية توقيع أكثر من 220 عقد شراكة، واستكمال نقل ملكية 26 أصلًا حكوميًا إلى القطاع الخاص، مما سيؤدي إلى استثمارات تتجاوز 240 مليار ريال سعودي (64 مليار دولار) وإيرادات تقدر بنحو 27 مليار ريال سعودي (7.2 مليارات دولار).
تتوقع السعودية جمع ما يقارب 206 مليارات ريال سعودي (55 مليار دولار) من خلال برنامج التخصيص، استنادًا إلى خطط مبيعات الأصول والشراكات. ومع استمرار البرنامج في التوسع وتراكم الخبرات، يُتوقع أن يلعب دورًا حيويًا في تمويل التنمية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز تنافسية الاقتصاد السعودي في المستقبل.
من المتوقع أن يشهد برنامج التخصيص مزيدًا من التطور في السنوات القادمة، مع التركيز على جذب استثمارات طويلة الأجل منخفضة المخاطر. وسيكون من المهم مراقبة قدرة البرنامج على تحقيق أهدافه الاقتصادية والاجتماعية، وعلى خلق بيئة أعمال جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين.
