تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً كبيراً في قطاع الشحن الجوي، مدفوعاً باستثمارات ضخمة ورؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز لوجستي عالمي. يمثل هذا التطور ركيزة أساسية في خطط التنويع الاقتصادي للمملكة، حيث تسعى إلى تقليل الاعتماد على النفط وتعزيز مكانتها في سلاسل الإمداد العالمية. وتشير التوقعات إلى نمو ملحوظ في هذا القطاع، مع توقعات بزيادة حجم الشحن إلى 1.2 مليون طن بحلول عام 2025.
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه التجارة العالمية تغيرات متسارعة، وزيادة الطلب على الخدمات اللوجستية الفعالة والسريعة. وتسعى السعودية إلى الاستفادة من هذه التغيرات من خلال تطوير بنيتها التحتية، وتبني أحدث التقنيات، وتعزيز الشراكات مع الشركات العالمية الرائدة في هذا المجال.
قفزة نوعية في قطاع الشحن الجوي السعودي
يشهد قطاع الشحن الجوي السعودي نمواً لافتاً، حيث سجل القطاع زيادة بنسبة 34% خلال عام 2025. ويعزى هذا النمو إلى عدة عوامل، منها زيادة حجم التجارة الإلكترونية، وتوسع الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية اللوجستية، وجذب شركات عالمية كبرى في قطاع النقل. أكد وزير النقل السعودي، صالح الجاسر، أن المملكة تعمل على افتتاح مراكز لوجستية جديدة في المطارات والموانئ خلال عام 2026، بالإضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية واستقطاب شركات عالمية.
وتشمل هذه الاستثمارات تطوير المطارات الرئيسية مثل مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ومطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، ومطار الملك فهد الدولي في الدمام. كما تتضمن خططاً لإنشاء مناطق لوجستية متكاملة بالقرب من هذه المطارات، لتسهيل عمليات الشحن والتخليص الجمركي.
تكامل إقليمي وتعزيز البنية التحتية
لا يقتصر التطوير على البنية التحتية الجوية فحسب، بل يشمل أيضاً تعزيز التكامل الإقليمي من خلال الاستثمار في البنية التحتية السككية. يهدف ذلك إلى ربط المملكة بدول الخليج الأخرى، وتسهيل حركة البضائع عبر المنطقة. كما تسعى المملكة إلى تطوير أنماط النقل المختلفة، مثل النقل البري والبحري، لضمان سلاسة تدفق البضائع.
وفيما يتعلق بالتكامل الإقليمي، أشار وزير النقل إلى أن العمل جارٍ على الاستثمارات في البنية التحتية داخل السعودية، بهدف تعزيز الربط السككي مع دول الخليج ودعم تكامل أنماط النقل المختلفة.
الدرونز: مستقبل الشحن الجوي
تتجه السعودية نحو تبني أحدث التقنيات في قطاع الشحن الجوي، ومن بين هذه التقنيات استخدام الدرونز في نقل البضائع. أكد وزير النقل أن السماح باستخدام الدرونز في نقل البضائع “ليس بعيداً”، مع إجراء تجارب حالياً تمهيداً لاعتمادها ضمن الأطر التنظيمية. تعتبر الدرونز حلاً واعداً لتوصيل الشحنات الصغيرة والسريعة، خاصة في المناطق النائية أو التي يصعب الوصول إليها.
وتستخدم الدرونز حالياً في بعض المهام التشغيلية المساندة، مثل فحص الطرق والمرافق. ومع تطور التشريعات والتقنيات، من المتوقع أن يزداد استخدام الدرونز في نقل الشحنات بشكل أوسع.
شراكات عالمية لتعزيز الكفاءة
تعمل السعودية على تعزيز شراكاتها مع الشركات العالمية الرائدة في قطاع الشحن الجوي، بهدف تبادل الخبرات والمعرفة، وجذب الاستثمارات الأجنبية. يعد افتتاح مركز عمليات لشركة (UPS) في الرياض مثالاً على هذه الشراكات. تعكس هذه الخطوة ثقة الشركات العالمية في نمو سوق الشحن الجوي السعودي.
وتدير شركة إيراد، وكيل (UPS) في السعودية، مركز العمليات الجديد الذي يمتد على مساحة 10 آلاف متر مربع، والمصمم لمعالجة الإرساليات وتخليص البضائع والطرود. وقد استثمرت الشركة بشكل واسع في السعودية، وتوفر شبكة توصيل محلية تغطي أكثر من 200 مدينة.
التحديات والفرص المستقبلية
على الرغم من النمو الملحوظ في قطاع الشحن الجوي، لا تزال هناك بعض التحديات التي تواجه المملكة. تشمل هذه التحديات الحاجة إلى تطوير البنية التحتية بشكل مستمر، وتحسين كفاءة التشغيل، وتوفير الكفاءات المؤهلة. ومع ذلك، فإن الفرص المتاحة في هذا القطاع كبيرة، ويمكن للمملكة أن تصبح مركزاً عالمياً للشحن الجوي.
يتوقع أن يشهد قطاع الشحن الجوي السعودي المزيد من النمو في السنوات القادمة، مدفوعاً بالاستثمارات الحكومية، والشراكات مع الشركات العالمية، وتبني أحدث التقنيات. ومن المتوقع أيضاً أن يلعب قطاع التجارة الإلكترونية دوراً كبيراً في هذا النمو.
تشير التوقعات إلى أن إطلاق “الرياض للشحن” في يناير 2026، كذراع متخصصة لنقل البضائع تحت إدارة طيران الرياض، سيعزز من قدرات المملكة في هذا المجال. ومع امتلاك طيران الرياض 182 طائرة قيد الطلب، وخطط للوصول إلى أكثر من 100 وجهة بحلول عام 2030، يُتوقع أن يساهم الشحن الجوي بنحو 20 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
في الختام، يمثل قطاع الشحن الجوي السعودي فرصة واعدة للمملكة لتحقيق أهدافها الاقتصادية والتنموية. ومن المتوقع أن تشهد المملكة المزيد من الاستثمارات والتطورات في هذا القطاع في السنوات القادمة، مما سيعزز مكانتها كمركز لوجستي عالمي. وستظل متابعة التطورات التنظيمية المتعلقة باستخدام الدرونز، وتقييم أثر الشراكات الجديدة، من الأمور الحاسمة لمراقبة مسار هذا التحول.
