سجلت استثمارات المملكة العربية السعودية في سندات الخزانة الأمريكية زيادة قياسية في شهر نوفمبر 2025، حيث بلغت صافي الشراء 14.3 مليار دولار. يمثل هذا الارتفاع تحولاً ملحوظاً في استراتيجية المملكة الاستثمارية، مع تزايد الاهتمام بالأصول الأمريكية في ظل ديناميكيات السوق العالمية المتغيرة والتوقعات بشأن مستقبل السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن هذه الزيادة هي الأكبر منذ بدء تتبع حيازات السعودية من السندات الأمريكية في ديسمبر 1974. وتشير هذه الخطوة إلى تبني المملكة نهجاً أكثر نشاطاً ومرونة في إدارة احتياطاتها من العملات الأجنبية، مما يعكس قدرتها المتزايدة على الاستفادة من الفرص المتاحة في الأسواق المالية الدولية.
زيادة حيازات السعودية من سندات الخزانة الأمريكية
ارتفع إجمالي استثمارات المملكة في السندات الأمريكية إلى 148.8 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي. يعزى هذا الارتفاع بشكل أساسي إلى زيادة كبيرة في حيازات السندات قصيرة الأجل، والتي ارتفعت بنحو 13.97 مليار دولار لتصل إلى 42.02 مليار دولار. في المقابل، شهدت السندات طويلة الأجل زيادة طفيفة بلغت 313 مليون دولار، واستقرت عند 106.8 مليار دولار.
تفضيل السندات قصيرة الأجل
يعكس هذا التوزيع ميلاً واضحاً نحو السندات قصيرة الأجل، والتي تعتبر أكثر حساسية للتغيرات في أسعار الفائدة. في الوقت الحالي، لا تزال أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة نسبياً، مما يجعل السندات قصيرة الأجل خياراً جذاباً للاستفادة من العوائد الحالية. يرى المحللون أن هذا التوجه يسمح للمملكة بالحفاظ على مرونة أكبر في إعادة تخصيص استثماراتها بسرعة في حال حدوث تغييرات في السياسة النقدية الأمريكية.
تأتي هذه التحركات في وقت يزداد فيه التوقع بخفض أسعار الفائدة الأمريكية خلال النصف الثاني من عام 2026. وتدعم هذه التوقعات المؤشرات التي تشير إلى تباطؤ معدلات التضخم في الولايات المتحدة، مما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير مساره النقدي. تعتبر السندات قصيرة الأجل خياراً مفضلاً للمستثمرين السياديين في مثل هذه الظروف، حيث يمكنهم الاستفادة من أي انخفاض في أسعار الفائدة.
وبحسب بيانات البنك المركزي السعودي، بلغت الاحتياطيات الأجنبية للمملكة حوالي 1.7 تريليون ريال سعودي (453 مليار دولار) بنهاية العام الماضي. يمثل هذا نمواً سنوياً يقارب 5%، مما يعزز من قدرة المملكة على تنويع أدوات إدارة احتياطاتها والاستثمار في مجموعة واسعة من الأصول المالية. تعتبر هذه الاحتياطيات الضخمة دعامة أساسية للاقتصاد السعودي، وتوفر له القدرة على مواجهة التحديات الخارجية.
في ديسمبر الماضي، قام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتخفيض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وهو التخفيض الثالث من نوعه خلال العام. أدى هذا التخفيض إلى انخفاض سعر الفائدة المرجعي إلى نطاق يتراوح بين 3.5% و 3.75%. يعكس هذا القرار تحولاً في موقف الاحتياطي الفيدرالي، حيث يبدو أنه أصبح أكثر استعداداً لدعم النمو الاقتصادي من خلال تخفيض تكلفة الاقتراض.
بالإضافة إلى الاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية، تواصل المملكة العربية السعودية تنويع محفظتها الاستثمارية العالمية. وتشمل هذه المحفظة استثمارات في الأسهم والعقارات والأصول البديلة الأخرى. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقليل المخاطر وزيادة العائدات على المدى الطويل. كما تعكس رغبة المملكة في أن تصبح لاعباً رئيسياً في الأسواق المالية العالمية.
من المتوقع أن يستمر اهتمام المملكة العربية السعودية بـ الأصول الأمريكية في المستقبل القريب، خاصةً مع استمرار التوقعات بخفض أسعار الفائدة. ومع ذلك، من المهم مراقبة التطورات الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة، حيث يمكن أن تؤثر هذه التطورات على جاذبية الاستثمار في السندات الأمريكية. سيكون من الضروري أيضاً متابعة قرارات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة، حيث يمكن أن يكون لها تأثير كبير على عوائد السندات.
