اعتمد سلطان عُمان هيثم بن طارق، بمرسومين سلطانيين، خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة للفترة 2026-2030، بالإضافة إلى الميزانية العامة للدولة لعام 2026. تأتي هذه الخطوة في وقت حاسم، مع انتقال السلطنة إلى مرحلة جديدة من التخطيط الاقتصادي المتكامل مع رؤية عُمان 2040، وتهدف إلى تعزيز النمو المستدام وتنويع مصادر الدخل الوطني.
يعكس هذا القرار الازدواج حرصاً حكومياً كبيراً على التنسيق بين السياسات المالية والإطار التخطيطي متوسط الأجل، مما يضمن تنفيذ الأهداف التنموية بطريقة منظمة ومستدامة. وتعتبر هذه الخطة امتداداً مباشراً للخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) التي ركزت على معالجة التحديات الاقتصادية والمالية التي واجهت البلاد في السنوات الأخيرة.
الإطار المالي والتخطيطي لخطة التنمية الخمسية الحادية عشرة
ينص المرسوم السلطاني رقم (2026/1) على اعتماد خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة وفقاً لما ورد في ملحقها الرسمي، بعد موافقة مجلس عُمان واستيفاء الإجراءات الدستورية اللازمة. تحدد الخطة الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تسعى الحكومة لتحقيقها خلال السنوات الخمس القادمة. وفي الوقت نفسه، تم التصديق على الميزانية العامة للدولة لعام 2026، مما يضمن توافق الإنفاق الحكومي مع الأهداف الاستراتيجية للخطة.
يؤكد هذا التكامل أن الخطة ليست مجرد وثيقة نظرية، بل هي إطار تنفيذي مرتبط بشكل مباشر بالسياسات المالية وإدارة الدين العام وتوجيه الاستثمارات، بما يتماشى مع أهداف الاستدامة المالية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي. ويأتي هذا في ظل متغيرات اقتصادية عالمية متزايدة، بما في ذلك التحول الطاقي والاقتصاد منخفض الكربون، مما يتطلب مرونة واستباقية في السياسات الاقتصادية العُمانية.
ملامح الخطة الجديدة وأهدافها الرئيسية
تعتبر خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة بمثابة حلقة وصل بين مرحلة التعافي الاقتصادي ومرحلة النمو المستدام، مع استهداف معدلات نمو أعلى وأكثر استقراراً. تركز الخطة على تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق القيمة المضافة وتوفير فرص العمل. وتقوم على مسارين متكاملين: مسار اقتصادي يركز على التنويع والقدرة التنافسية، ومسار تنموي يهتم بالخدمات والبنية الأساسية والتنمية الاجتماعية والبيئية.
في الجانب الاقتصادي، تعطي الخطة أولوية لتقليل الاعتماد على النفط من خلال تنويع مصادر الدخل وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي. كما تهدف إلى توسيع قاعدة الصادرات وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، بالإضافة إلى تحسين بيئة الأعمال وتطوير التشريعات وزيادة كفاءة المؤسسات الاقتصادية. وتشمل الخطة مبادرات لدعم الاستثمار في عُمان.
القطاعات ذات الأولوية في خطة التنمية
تولي الخطة اهتماماً خاصاً بالقطاعات الواعدة التي حددتها رؤية عُمان 2040، والتي تعتبر محركات رئيسية للنمو الاقتصادي. تشمل هذه القطاعات اللوجستيات والصناعة التحويلية والسياحة والثروة السمكية والتعدين والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والابتكار. ويرتبط هذا التوجه بتجارب السنوات السابقة التي أظهرت قدرة هذه القطاعات على خلق فرص عمل وجذب الاستثمارات وتعزيز الصادرات.
بالإضافة إلى ذلك، تركز الخطة على تعميق سلاسل القيمة المحلية وتوطين الصناعات وربط المشاريع الكبرى بأهداف التنويع الاقتصادي. وتشمل برامج لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مما يساهم في توسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية وتحسين إنتاجية الاقتصاد الوطني. كما تولي الخطة اهتماماً متزايداً بالتنمية المستدامة.
الخطة الخمسية العاشرة: تمهيد الطريق
كانت الخطة الخمسية العاشرة (2021-2025) بمثابة خطوة أولى نحو تحقيق رؤية عُمان 2040، حيث ركزت على استعادة التوازن المالي وتحقيق تعافٍ اقتصادي بعد جائحة كوفيد-19 وتقلبات أسعار النفط. وقد نجحت هذه الخطة في تحقيق تقدم ملموس في هذه المجالات، وأسست لبيئة أكثر استقراراً وجاذبية للاستثمار.
ووفقاً للبيانات الرسمية، ساهمت الخطة العاشرة في توفير حوالي 175,000 فرصة عمل، مما يشكل قاعدة صلبة لتحقيق هدف توفير 300,000 فرصة عمل خلال الخطة الحادية عشرة. كما تضمنت الخطة إطاراً مالياً متوسط الأجل يهدف إلى رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتعزيز دور القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي.
الخطط الخمسية السابقة، منذ السبعينيات، لعبت دوراً حاسماً في بناء الدولة الحديثة وتطوير البنية الأساسية وتحسين مؤشرات التعليم والصحة. وقد مهدت هذه الخطط الطريق لرؤية عُمان 2040 وخططها التنفيذية اللاحقة.
يؤكد علي بن راشد المطاعني، الكاتب الاقتصادي، أن اعتماد الخطة الجديدة يعكس التزام الحكومة بالتنمية والاعتماد على التخطيط الدقيق. ويضيف أن الخطة تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام وخلق فرص عمل للمواطنين.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القادمة تفاصيل أكثر حول برامج ومشاريع الخطة الخمسية الحادية عشرة، بالإضافة إلى آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم. وسيكون من المهم مراقبة التقدم المحرز في تحقيق أهداف الخطة، والتحديات التي قد تواجهها، والفرص المتاحة لتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في سلطنة عُمان.
