أظهرت بيانات حديثة أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية بلغت 24.9 مليار ريال (6.64 مليارات دولار) في الربع الثالث من عام 2025، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 34.5% على أساس سنوي. يعكس هذا النمو المستمر تحسّن بيئة الأعمال في المملكة وجهودها الرامية إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط، بالإضافة إلى الثقة المتزايدة للمستثمرين الأجانب في رؤية المملكة المستقبلية.
وتشير الأرقام إلى أن هذا الارتفاع يأتي في وقت تشهد فيه السعودية طفرة في المشاريع الكبرى في قطاعات متنوعة، مثل البنية التحتية، والسياحة، والتكنولوجيا، مما يزيد من جاذبية البلاد كموقع استثماري رئيسي. كما تتزامن هذه التطورات مع إعلان الهيئة العامة للإحصاء عن تضاعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية أكثر من خمس مرات منذ عام 2016، مما يؤكد المسار التصاعدي في جذب رؤوس الأموال الخارجية.
تحليل تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في السعودية
كشفت نشرة إحصاءات الاستثمار الأجنبي المباشر للربع الثالث من عام 2025، الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، عن تفاصيل دقيقة حول مكونات هذه التدفقات. بلغت قيمة التدفقات الداخلة 27.7 مليار ريال (7.39 مليارات دولار)، بزيادة قدرها 4.4% مقارنة بالربع الثالث من عام 2024. في المقابل، انخفضت التدفقات الخارجة بشكل ملحوظ إلى 2.7 مليار ريال (720 مليون دولار)، وهو تراجع حاد بنسبة 65.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
يعكس هذا التوازن بين التدفقات الداخلة والخارجة استقراراً في حركة رؤوس الأموال، ويشير إلى أن المستثمرين الأجانب يفضلون الاحتفاظ باستثماراتهم داخل الاقتصاد السعودي على المدى الطويل، بدلاً من سحبها بشكل مفاجئ. هذا يشير إلى نوعية الاستثمارات الداخلة.
تطورات حديثة في جذب الاستثمار
أعلنت هيئة السوق المالية السعودية في بداية عام 2026 عن فتح السوق لجميع فئات المستثمرين الأجانب، مما يتيح لهم الاستثمار المباشر في الأسهم المدرجة اعتباراً من الأول من فبراير. تهدف هذه الخطوة إلى توسيع قاعدة المستثمرين، وزيادة السيولة في السوق، وتعزيز مكانة المملكة كمركز استثماري عالمي.
ويتماشى هذا الإجراء مع سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، والتي تهدف إلى تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وتسهيل إجراءات الاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، أدى وضوح رؤية المملكة 2030 والمشاريع الضخمة التي يتم تنفيذها في إطارها إلى زيادة الثقة لدى المستثمرين الأجانب.
وبحسب المحلل الاقتصادي سعيد العبسي، فإن هذه التطورات تعكس تحولاً نوعياً في جاذبية السوق السعودي، حيث لم يعد يقتصر على قطاع النفط، بل يشمل قطاعات واعدة أخرى مثل التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والسياحة. وأضاف أن المؤشرات الأخيرة تدل على أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها في تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار الأجنبي.
محركات النمو في الاستثمار الأجنبي
ساهمت عدة عوامل في تعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السعودية، بما في ذلك الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتوفر البنية التحتية المتطورة، والسياسات الحكومية الداعمة، بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي للمملكة في قلب منطقة الشرق الأوسط.
كما أن برنامج المقرات الإقليمية، الذي أطلقته المملكة، يمثل مبادرة مهمة لجذب الشركات العالمية إلى إنشاء مقرات إقليمية لها في السعودية، مما يساهم في نقل المعرفة والتقنية، وخلق فرص عمل جديدة. وبلغ عدد المقرات الإقليمية 675 مقراً بحلول أكتوبر 2025، وفقاً لتصريحات وزير الاستثمار، خالد الفالح.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت السعودية زيادة كبيرة في عدد التراخيص الاستثمارية الصادرة للشركات الأجنبية، حيث تجاوزت 50 ألف رخصة موزعة على قطاعات متعددة. وارتفع عدد التراخيص بنسبة 83.4% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2025، وفقًا لبيانات صحيفة “الاقتصادية”.
ويعزى هذا النمو إلى تبسيط الإجراءات وتسهيل الحصول على التراخيص، بالإضافة إلى تقديم حوافز ضريبية وغيرها من المزايا للمستثمرين. وتوضح هذه البيانات أن قطاعات التشييد، والتجارة، والصناعات التحويلية هي الأكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي.
وفي إطار جهودها المستمرة لتحسين البيئة الاستثمارية، أقر مجلس الوزراء السعودي مؤخراً اللوائح التنظيمية للمناطق الاقتصادية الخاصة في جازان، ومدينة الحوسبة السحابية والمعلوماتية، ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية، ورأس الخير. من المتوقع أن تسهم هذه اللوائح في جذب المزيد من الاستثمارات وتوسيع القاعدة الاقتصادية للمملكة.
ومع استمرار هذه التطورات، من المتوقع أن يشهد الاستثمار الأجنبي في السعودية نمواً مطّرداً خلال الفترة المقبلة. ومع ذلك، تظل هناك بعض التحديات التي يجب معالجتها، مثل التوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط، والمنافسة المتزايدة من الدول الأخرى التي تسعى لجذب الاستثمار الأجنبي. مراقبة التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية، وكذلك الاستجابة السريعة للتحديات المحتملة، ستكون أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على هذا الزخم الاستثماري وتحقيق أهداف رؤية 2030.
