لم يعد السؤال المطروح في الأوساط المالية يدور حول ما إذا كانت الأسواق الناشئة ستقود النمو العالمي، بل حول كيفية إدارة هذه القيادة في ظل نظام اقتصادي دولي سريع التغير. ففي وقت يواجه الاقتصاد العالمي تباطؤاً بسبب التضخم والديون، تتقدم الأسواق الناشئة لتملأ الفراغ، مدفوعة بالتركيبة السكانية المتزايدة وتدفقات رأس المال الجديدة ونماذج النمو المرنة.
الأسواق الناشئة.. محركاً للنمو العالمي
تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصادات الناشئة تمثل الآن حوالي 56% من حجم الاقتصاد العالمي، مقارنة بأقل من 40% قبل عقدين. وقد أشار وزير المالية السعودي محمد الجدعان إلى أن هذه الأسواق والاقتصادات النامية تشكل نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقاً لتعادل القوة الشرائية، وتساهم بأكثر من 70% من النمو العالمي. لكن هذا النمو لا يخلو من التحديات، حيث يواجه أكثر من نصف الدول منخفضة الدخل ضائقة ديون أو تقف على حافتها، بالتزامن مع تراجع نمو التجارة العالمية.
السعودية.. مركز جذب للاستثمار
وسط هذا المشهد، برزت المملكة العربية السعودية كأحد أكثر الأسواق الناشئة جاذبية لرأس المال والاستثمار الجريء. فقد ضخ مستثمرو رأس المال الجريء في منطقة الشرق الأوسط 3.8 مليار دولار عبر 688 صفقة في عام 2025، بزيادة قدرها 74% على أساس سنوي، استحوذت السعودية على حصة كبيرة منها. وتشير البيانات إلى أن حوالي 50% من هذا التمويل جاء من مستثمرين دوليين، وهو أعلى مستوى مشاركة خارجية تشهده المنطقة.
بلغت الاستثمارات الجريئة في السعودية وحدها 1.72 مليار دولار في عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 145%، مع تنفيذ 257 صفقة. وتستحوذ المملكة على نحو 45% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء في الشرق الأوسط. ويتميز هذا النمو ليس فقط بحجم التمويل، بل بانتقاله إلى مراحل أكثر نضجاً، حيث شهدت منظومة الشركات الناشئة السعودية نمواً سنوياً مركباً بلغ 49% بين عامي 2020 و 2024.
تراجع الدولار يعزز تدفقات رأس المال
بدأت الأسواق الناشئة عام 2026 بأداء قوي، مدعومة بتراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات. وقد عزز هذا التراجع شهية المستثمرين للأصول خارج الولايات المتحدة، مما أدى إلى مكاسب واسعة في الأسهم والعملات والسندات في الاقتصادات النامية. ارتفع مؤشر MSCI للأسواق الناشئة بنحو 11% خلال يناير 2026، بعد مكاسب بلغت 31% في عام 2025، وهو أفضل أداء منذ عام 2017. كما شهدت أسهم آسيا خارج اليابان تدفقات بقيمة 109 مليارات دولار، بينما تدفقت 59 مليار دولار إلى أسواق ناشئة أخرى خلال العام الماضي.
نحو دورة استثمار ناضجة
يرى الخبراء أن ما تشهده الأسواق الناشئة حالياً يتجاوز مجرد موجة تمويل، ليعكس تحولاً بنيوياً في دور هذه الاقتصادات داخل النظام المالي العالمي. فقد ارتفع نشاط الاندماج والاستحواذ في الشرق الأوسط بنسبة 41% خلال عام 2025، مما يشير إلى دخول المنطقة مرحلة أكثر نضجاً في دورة رأس المال. ويشير هذا إلى أن التركيز لم يعد مقتصراً على جذب التمويل، بل على خلق مسارات خروج واضحة للمستثمرين.
قد يكون عام 2026 عاماً محورياً في هذا السياق، إذا استمر زخم صفقات التخارج والطرح العام الأولي. فالسوق التي تنجح في استكمال دورة الاستثمار من التمويل إلى التخارج تثبت قدرتها على إعادة تدوير رأس المال واستدامة النمو. هذا التحول يعكس انتقال الاقتصادات الناشئة من نموذج يعتمد على تدفقات سيولة قصيرة الأجل إلى نموذج يرتكز على بناء شركات قابلة للنمو الإقليمي والعالمي.
تحديات وفرص مستقبلية
دعا وزير المالية السعودي إلى وضع “خريطة طريق” للأسواق الناشئة، وهو ما يعكس وعياً بالتحديات المقبلة، خاصة في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع الديون وتباطؤ التجارة وتقلبات الأسواق. إن الاستقرار المالي وتعزيز كفاءة المؤسسات وتكامل الأسواق الناشئة مع النظام المالي العالمي تمثل شروطاً أساسية للحفاظ على الزخم الحالي.
يتطلب النجاح في هذا المسار ترسيخ بيئة تشريعية مستقرة وتعزيز الشفافية والحوكمة، بما يطمئن المستثمرين ويشجع على ضخ استثمارات طويلة الأجل. تتمتع السعودية بفرصة لقيادة هذا النموذج، مستندة إلى عمقها الاستثماري وتوسعها في القطاعات غير النفطية، إلى جانب دورها المتنامي كمركز إقليمي لرأس المال الجريء.
من المتوقع أن تشهد الأسواق الناشئة المزيد من التحديات والفرص في الفترة المقبلة، مع استمرار التغيرات في الاقتصاد العالمي. سيكون من المهم مراقبة تطورات السياسات النقدية في الاقتصادات المتقدمة، وتأثيرها على تدفقات رأس المال إلى الأسواق الناشئة، بالإضافة إلى التطورات الجيوسياسية التي قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي.
