تشهد العلاقات السعودية المغربية دفعة قوية في مجال التعاون الاقتصادي، وتحديداً في قطاع الطاقة المتجددة، حيث تسعى الدولتان إلى تعزيز الاستثمارات المشتركة وتأمين مستقبل طاقي مستدام. يأتي هذا التطور في أعقاب اجتماع مهم بين وزيري الطاقة في البلدين، وتوقيع برنامج تنفيذي يهدف إلى ترجمة المذكرات السابقة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.
ويعكس هذا التقارب الاستراتيجي رغبة مشتركة في تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، بالإضافة إلى الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي يمتلكها كلا البلدين في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. يهدف الاتفاق إلى تحقيق أمن الطاقة الإقليمي، وفتح آفاق استثمارية جديدة، وتعزيز الشراكة في مجال التنمية المستدامة.
أهمية اتفاق الطاقة المتجددة بين السعودية والمغرب
يمثل هذا الاتفاق خطوة حاسمة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بين الرياض والرباط، ويدعم رؤى التنمية المستدامة التي تتبناها المملكتان. تكمن الأهمية في قدرته على تحويل التفاهمات والمذكرات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، مما يعزز من الثقة بين القطاعين الخاص والعام في كلا البلدين. كما يساهم في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع الطاقة في المنطقة.
الأهداف الرئيسية للتعاون
تتركز الأهداف الأساسية للاتفاق حول ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز أمن الطاقة، وتوسيع الاستثمارات الخضراء، وبناء شراكة استراتيجية في مجال الطاقة المستدامة. يهدف الجانب السعودي إلى الاستفادة من الخبرات المغربية في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية، بينما تسعى المغرب إلى جذب الاستثمارات السعودية لتوسيع نطاق مشاريعها في مجال الطاقة المتجددة.
وقد عقد الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، اجتماعاً مهماً مع ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية، في الرياض بتاريخ 15 يناير 2026. ركز الاجتماع على بحث سبل تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، واستكشاف فرص الاستثمار المشترك، وفقاً لما صرحت به وزارة الطاقة السعودية.
عقب الاجتماع، تم توقيع برنامج تنفيذي للتعاون في مجال الطاقة المتجددة، يهدف إلى تمكين الشركات من تنفيذ المشاريع المشتركة بين البلدين. يستند هذا البرنامج إلى مذكرة التفاهم الموقعة في 9 مايو 2022، والتي شكلت الإطار العام للتعاون الطاقي بين السعودية والمغرب، مما يشير إلى انتقال العلاقة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
يهدف البرنامج إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية وزيادة الاستثمارات المتبادلة في مشاريع الطاقة المتجددة داخل البلدين. بالإضافة إلى ذلك، يسعى إلى التوسع المشترك في تنفيذ مشاريع مماثلة في دول أخرى، مما يعكس طموحاً إقليمياً يتجاوز التعاون الثنائي. يشمل ذلك التعاون في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأنظمة تخزين الطاقة، وربط مصادر الطاقة المتجددة بالشبكات الكهربائية.
لا يقتصر التعاون على الجوانب التقنية والاستثمارية فحسب، بل يمتد ليشمل تطوير البنية التحتية، وإنشاء مراكز للبحوث والتطوير، وبناء القدرات البشرية من خلال التدريب ونقل المعرفة. يهدف ذلك إلى دعم أهداف الاستدامة طويلة الأجل في كلا البلدين، وتعزيز مكانتهما كرواد في مجال الطاقة النظيفة.
وتشمل الاتفاقية أيضاً التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، بما في ذلك البحث والتطوير، وتصميم وإنشاء وتشغيل المفاعلات النووية، وإدارة النفايات المشعة. يؤكد هذا البعد على التزام البلدين بتنويع مصادر الطاقة، واستكشاف التقنيات المتقدمة في هذا المجال.
المغرب وجهة استثمارية واعدة
يشير موسى تيهوساي، الباحث في الشؤون الأفريقية، إلى أن الاستثمارات الخليجية تشهد نمواً ملحوظاً في القارة الأفريقية، وأن المغرب يمثل وجهة جاذبة بفضل مناخه الاستثماري المستقر والمحفز. وأضاف أن قطاع الطاقة، وخاصة الطاقة النظيفة والمتجددة، يتربع على رأس القطاعات التي تستقطب هذه الاستثمارات، إلى جانب الزراعة والبنية التحتية.
وأوضح تيهوساي أن الموانئ تلعب دوراً حيوياً في هذا التوجه، مشيراً إلى تجربة طنجة التي تحولت إلى مركز اقتصادي هام في المغرب. كما أكد على أن الاستثمارات الخارجية، وخاصة الخليجية، بدأت تساهم بشكل كبير في دعم هذه القطاعات الحيوية.
وتشهد الشراكات الخليجية في مجال الطاقة زخماً متزايداً في دول أفريقية أخرى، مثل ليبيا والسنغال، مع تزايد الزيارات الرسمية وتوقيع اتفاقيات تعاون جديدة. ويعكس ذلك اهتماماً خليجياً متزايداً بالفرص الاقتصادية الواعدة في القارة الأفريقية.
مشاريع عملية على الأرض
تجسد مشاريع الطاقة المتجددة التي تم إطلاقها في المغرب، بمشاركة شركات سعودية، التزام البلدين بتنفيذ الاتفاقيات الموقعة. ففي أغسطس 2025، فازت شركة سعودية متخصصة بتطوير مشروعي “نور ميدلت 2” و”نور ميدلت 3″، وهما مشروعان رائدان لتخزين كهرباء الطاقة الشمسية بالبطاريات على نطاق واسع.
تُعد محطات “نور ميدلت” أكبر مشروع للطاقة الشمسية في المغرب، بطاقة إجمالية متوقعة تبلغ 1600 ميغاواط، وباستثمارات تقدر بنحو 20 مليار درهم. تأتي هذه المشاريع في إطار جهود المغرب لتعزيز مرونة الشبكة الكهربائية، وزيادة حصة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني.
وتقدر حجم الاستثمارات السعودية في المغرب بنحو 6 مليارات دولار، ويركز أغلبها في قطاع الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى السياحة والرعاية الصحية والنسيج. تعتبر شركة “أكوا باور” أكبر شركة سعودية مستثمرة في المغرب، وتشغل أكبر مشروع للطاقة الشمسية في البلاد.
من المتوقع أن يشهد التعاون بين السعودية والمغرب في مجال الطاقة المتجددة المزيد من التوسع في المستقبل القريب، مع استمرار البحث عن فرص استثمارية جديدة، وتطوير مشاريع مشتركة تساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في كلا البلدين. وستظل متابعة التقدم في تنفيذ المشاريع الحالية، والاتفاقيات الجديدة، أمراً بالغ الأهمية لتقييم مدى نجاح هذه الشراكة الاستراتيجية.
